انضم الى صفحة التجانية أونلاين على الفيس بوك


« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: في رسالة وجهها للأمين العام الأممي : الرئيس الصحراوي يحذر من اعتداء مغربي "لا سابق له ( الكاتب : المصدر )       :: مستشار المدير العام للوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب : إجراءات جديدة لتسهيل خلق مشا ( الكاتب : المصدر )       :: الصهاينة يضربون غزة بـ”6 قنابل نووية” ( الكاتب : المصدر )       :: الفنان اللبناني ربيع الأسمر من مهرجان "جميلة": أتمنى أن يدعم القادة العرب غزة كما تفع ( الكاتب : المصدر )       :: وزيرة الثقافة في "ورطة" بسبب مهرجان وهران للفيلم العربي ( الكاتب : المصدر )       :: تندوف: 80 مليون دينار لإنجاز وترميم آبار رعوية ( الكاتب : المصدر )       :: البناء الريفي ببومرداس...إعانات تقصم ظهور الفقراء ( الكاتب : المصدر )       :: 14.828 وحدة سكنية في طور الإنجاز في ور?لة ( الكاتب : المصدر )       :: أربعة أشياء يجب الحذر منها في الفنادق ( الكاتب : المصدر )       :: حديقة التجارب بالحامة... المتنفس "المنعش" للعاصميين ( الكاتب : المصدر )      


العودة   منتديات التجانية أونلاين > ::: التصوف الاسلامي والطرق الصوفية ::: > نافذة حول التصوف الاسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-28-2011   #1
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي سلوك العارفين بالله :

-في السلوك :

اقتصاد في لغة القرآن معناها الاستقامة على الطريق بين طرفي الإفراط والتفريط، ويتضمن معنى الاعتدال والتوسط. وأستعمل الكلمة بهذا المعنى وبالمعنى اللغوي الذي يفيد السير في الطريق بمواظبة وبدون انقطاع، ويفيد الصمود إلى الهدف المنشود، كما تقول العرب: أقصد السهم إِذا أصابَ وقتل مكانه. وتتمم خصلة "الاقتصاد" خصلة "التؤدة" وتكملها لكيلا يغلب التأني والتريّث على السير المتواصل.
السلوك إلى الله عز وجل، والسير إليه، عمل منصوص في الكتاب والسنة، كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس به. كان معنى القصد إلى قرب الله عز وجل بالتعبد، ومعنى طلب الحظوة عنده والزلفى لديه بالأعمال الصالحة علما مستقرا عندهم. قال شيخ الاسلام ابن تيمية : "كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة"[1].
معناه أن السلوك كان من البديهيات ومما يعلم من الدين بالضرورة. معناه أنهم كانوا يتمثلون حق التمثل أن الدين إسلام وإيمان وإحسان، وأن الناس تتفاضل، وأن الأمر درجات يندب القرآن وتندب السنة إلى المسابقة إليها في مثل قوله تعالى: )سَارِعُواْ( (سورة آل عمران، الآية: 133) وقوله تبارك اسمه: )سَابِقُوا( (سورة الحديد، الآية: 21) وقوله عز من قائل: )فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ( (سورة البقرة، الآية: 148).
قال ابن تيمية رحمه الله: "فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة(...). والصحابة أنفسهم(...) لم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله تعالى التي يصير بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين"[2].
ثم بعد الصحابة دخلت البِدَع في العقائد من جراء نهوض أسئلة فُضولية فلسفية، وتكلم الناس فيما كان من حقه أن يُتَلَقَّى بالقَبُول الفطري، وأظلم طريق السلوك وتَعتَّم علمه الذي كان مسلَّما به عند الصحابة. وتعطل العمل السلوكي إلا عند طائفة سماهم التاريخ صوفية.
كان كل الصحابة يبتغون إلى ربهم الوسيلة ويستهدونه ويتأسون برسوله صلى الله عليه وسلم الماثل بين ظَهْرانَيهم. فيما بعد، وفي عتَمة البدع وظُلَلِ الفتنة التي مرت على الأمة مرورَ قطع الليل المظلم، احتاج السالك إلى نظر خاص، واسترشاد خاص، وصحبة خاصة. قال ابن تيمية : "الكلام في أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر خاص"[3].
اختصَّ بعض المومنين في النظر العملي التطبيقي إلى السلوك، حملهم حب الله عز وجل والثقة بوعده والتسليم له والتفويضُ على التشمير إليه، والتقرب. هؤلاء حدثونا عن تجربتهم وعن تَحْصيلهم للمقصود، وعن الوصول والمعرفة والكمال وسائر ما تعرضنا لتفصيله في هذا الكتاب.
وتخصص مومنون آخرون من علماء الحديث والفقه في النظر العلمي إلى الدين، فكان فيما أبدوا فيه رأيهم السلوكُ والسيرُ إلى الله عز وجل. من كان منهم ذا حظ من السلوك وعلى "قدر مشترك" مع الصوفية السالكين قارن المنصوص من علم السلوك بالمحَصَّل عليه من الذوق والوجد والمعرفة، فجاء كلامهُ الذوقي الوجدي المعرفي (أقصد معرفة الله تبارك وتعالى لا المعرفة العقلية للكون) شرحا مستنيرا لما ورد به الكتاب ووردت به السنة. مثال لهذا الصنف من العلماء، على مقاديرهم ومرتبة علمهم يوم أدوا شهادتهم، شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من العلماء المشاركين.
وسبحان الله كيف اكتفى علماء آخرون من السلوك بالاطلاع على نصوصه، و"خدمتها" بالشرح اللفظي والتأويل وتقييد الآراء والتعليق على أقوال الناس فيها. هذا إن لم يكادوا يشكُّون في صحتها كما كاد الحافظ الذهبي يشك في حديث البخاري: "من عادى لي وليا".
هذا الحديث العظيم أمتن تبليغ نبوي في موضوع السلوك والولاية والقرب من الله تبارك وتعالى، وأوضحُه وأكملُه وأجلاه. وقد فزع العلماء الناظرون بنية العلم مما طرب له ووثِقَ به وصدقه وعمل عليه الناظرون إلى "الخطة العملية"، المشمِّرون على جادة الطريق.
فزِع أولئك وطرب هؤلاء وصدقوا بقول الله عز وجل عن العبد المتقرب: "فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله". أخبر السالكون العمليون بما أصابهم من وعد الله الكريم الوهاب، وحام الفزعون حول النص يُشبِعونه تقليبا وتدوينا وتأويلا.
نقل الحافظ ابن حجر عن الطوفي أنه قال: "هذا الحديث أصْل في السلوك إلى الله والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه. إذ المفترضات الباطنة وهي الإيمان، والظاهرة وهي الإسلام، والمركب منهما وهي الإحسان (توجد) فيهما كما تضمنهُ حديث جبريل. والإحسان يتضمن مقامات السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها"[4].
كلام الطوفي يتضمن اعتراف الفقهاء والمحدثين بكون الحديث العظيم أصلا في السلوك. اعتراف مجمل.
أما في التفصيل فأقوال العلماء النُّظَّار في العلم والنصوص تضاربت وتقابلت ولم تتفق إلا على أمر واحد. هو أن لا يكون في الحديث "مُتَمَسَّك للاتحادية والقائلين بالوحدة المطلقة"، كما عبر الحافظ ابن حجر.
وقد روى الحافظ مقالات النظار[5]. في معنى "كنت سمعه". فمنهم من قال: إنه ورد على سبيل التمثيل، ومنهم من قال: كنت سمعه أي أنَّ كليته مشغولة بي فلا يُصغِي بسمعه إلا إلى ما يرضيني. ومقالة ثالثة: أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره. ورابعة: كنت له في النُّصرة كسمعه وبصره ورجله. وخامسة: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه. وسادسة: معنى سمعه مسموعه، فلا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي وسابعة: قد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء ونُجْح الطلب. وذلك أن مساعي الانسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
وينقل ابن حجر رحمه الله في آخر عرضه مقالة الصوفية وكأنها مجرد نظرية تُحَطُّ إلى جانب ما سبق من نظريات. قال: "وحمله بعض متأخري الصوفية على ما يذكرونه من مقام الفناء والمحو، وأنه الغاية التي لا شيء وراءها. وهو أن يكون قائما بإقامة الله له، محبا بمحبته، ناظرا بنظره له من غير أن تبقى له بقية تُناطُ باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بأمر أو توصف بوصف"[6].
قال شارحا مترجما لكلامهم حسب إدراكه، موافقا مسلما غير معارض: "ومعنى هذا الكلام أنه يشهد إقامة الله له حتى قام، ومحبته له حتى أحبه، ونظره إلى عبده حتى أقبل ناظرا إليه بقلبه".
ثم يلتفت إلى الزنادقة فينقل مقالتهم، وهي شبيهة بشطحات أهل السكر، وهي مقالة الحلولية والاتحادية الزائغين. ويُنكر هذه المقالة الشنيعة، وقد رجع من عرضه بنتائج حكاية العلم وتقريره وبفضيلة النهي عن المنكر.
سبحان الله! ما يحبسني عن الهيمان على وجهي في البراري أطلب ما طلب الرجال! كيف تحلو الحياة، بل كيف تُحتَمَلُ لحظة، وأنا لا أعرف ما اسمي في الملكوت! كيف أُسَوِّفُ رحيلي إلى ربي، وتوبتي الكلية ورجعتي إليه وهو سبحانه يتحبب إلي وينادي ويعد ويبشر!
قال الإمام عبد القادر قدس الله روحه: "اهجُرْ طبعك وهواك وشيطانك ولا تركن إليهم. إذا ثبت هذا فاجعل بينك وبين أقران السوء عداوة. ولا تصادقهم حتى يوافقوك في حالك. التوبة قلب دولة"[7].
أقول نعم! التوبة الكلية التي تتمثل في هجر كل ما ذكر والطيران بجناحي الإنابة والشوق إلى المولى الكريم انقلاب عميق. لكن من يقدر عليه إلا همة مرفوعة سبقت لها عند الله الحسنى!
ويقول الشيخ الإمام في شروط السلوك بعد التوبة: "إذا تركت نفسك مع الدنيا، وقلبك مع الأخرى، وسرك مع المولى، حينئذ صارت خلوتك أنسا بالله. وأما مع وجودها ووجود غيرها من الأنفس فلا يكون لك خلوة.(...)"[8].
لا يقصد الشيخ هنا الخلوة المعروفة، وهي حبس المريد نفسه في حجرة خاصة ليتفرغ للذكر، إنما يقصد التخليَ المعنويَّ الذي يرتفع به نظرُ النفس عن اللذات، ونظر القلب عن الدنيا جملة، ونظر السر عن الدنيا والآخرة. حينئذ يقف بالهمة واقف العناية على "باب الملك".
قال الإمام: "لا كلام حتى ترى الباب! فحينئذ ترى الغلمان (يقصد الاولياء المشايخ)(...) كن مع الصادقين حتى تعامَل بما عوملوا به. اصدق في أقوالك وأفعالك في جميع أحوالك. الصدق هو التوحيد والإخلاص والتوكل على الله عز وجل(...)
"قرب الحق عز وجل لا يحتمل الزَّحْمَة. من كل ألف ألف منكم إلى انقطاع النفَسِ واحد يعقل ما أقول ويعمل به. وباقيكم يدخلون في غماره، ويتبركون بحضورهم معه. إني أرجو لكم الخير في الدنيا والآخرة. الدنيا سجن المومن. فإذا نَسي سجنه جاءه الفرج. المومنون في سجن، والعارفون في سكر، فهم غائبون عن السجن"[9].
قال عبد محب لمولاه، غريب عنه ما سواه، غريب هو في الناس:
غـريب الوصف ذو علم غريب عليل القلب من حُبِّ الحبيـب
إذا ما الليـل أظلـم قـام يبكـي ويشكـو ما يُكِـنُّ مـن الوجيـب
يـُقَـطّـِـعُ ليـلـه ذكـرا وفكـرا وينطـق فيه بالعجب العجيـب
بـه مـن حـب سـيـده غــرامٌ يجِـلُّ عـن التطـبُّـبِ والطبيـب
ومـن يـكُ هكـذا عـبـداً محـبـا يطيـب تـرابـه من غـير طيـب

وقال سالك إلى ربه، يتحدث بنعم قربه:
تـفــرد فـي الدنيـا لـطـاعـة ربـه فـأورثـه علـم الـكـتـاب بـلا رَيْـب
وآثَــرَ حـبَّ اللـه فانكـشـفـت لـه عجـائبُ أسـرارٍ ثـوابـاً على الحُـب
فمن كان في دعـوى المحبـة صادقـا تجلت له الأنوار من غير ما حُجْـب
فـيـرتـع في روض المـعـارف دائـمـا ولـذتها أشهى مـن الأكـل والشـرب
تخـاطبه الأحـوال مـن كل جـانـب فـيفـهم عنها بالضـمـيـر وبالقـلـب
يكـاشَـفُ بالأسـرار مـن ملـكـوتهـا فيأتي عليه الفَـيْـضُ من عالم الغيب

وقلت:
أُعَــاني غُــربَـتَـيْنِ في البَــرايــا فلي ضِعفُ الجَـزاء على مُصـابي
فغُــربة ذاكــرٍ بالبَــدْع يُــرمَــى وغُــربـةُ مسلــمٍ بــين الـذِّئــاب
فَطُــوبى ثمَّ طُــوبى ليس يحصَـى حَصــادُ الصَّــابرين مـن الثَّــواب




[1] الفتاوي ج 19 ص 273.
[2] المصدر السابق ص 274.
[3] المصدر السابق ج 22 ص 334.
[4] فتح الباري ج 11 ص 345.
[5] المصدر السابق ص 344.
[6] فتح الباري ج 11 ص 344.
[7] الفتح الرباني ص 206.
[8] المصدر السابق ص 205.
[9] الفتح الرباني ص 205.

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس

اخر 5 مواضيع التي كتبها عمرأبوحسام الحسني
المواضيع المنتدى اخر مشاركة عدد الردود عدد المشاهدات تاريخ اخر مشاركة
دراسات في أفق تجديد علوم التصوف : نافذة حول التصوف الاسلامي خدماتي جروب 7 1404 10-31-2011 04:48 PM
سلوك العارفين بالله : نافذة حول التصوف الاسلامي عمرأبوحسام الحسني 7 1480 10-28-2011 06:31 PM
الإمام أحمد بن حنبل أعلام ومعالم اسلامية عمرأبوحسام الحسني 0 680 10-28-2011 06:28 PM
الفضيل بن عياض أعلام ومعالم اسلامية عمرأبوحسام الحسني 0 588 10-28-2011 06:28 PM
الحسن البصري أعلام ومعالم اسلامية عمرأبوحسام الحسني 0 584 10-28-2011 06:27 PM

قديم 10-28-2011   #2
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

1.الحجب المانعة عن القصد
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا(. اللهم ما قصُر عنه رأيي، ولم تبلغه نيتي، ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحداً من خلقك أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك، فإني أرغب إليك فيه، وأسألك برحمتك يا رب العالمين.
قال الشيخ عبد القادر: "باب قرب الحق لا يقبل الزحمة". نداء الله عز وجل المتلو شهادة والمُلْقى غيبا في الثلث الأخير من الليل لا يجد من العباد الاستجابة. فأكثرُ العباد لا يريدون الله، إنما يريدون ما عند الله. يا حسرة على العباد. حَجَبَ العباد عن ربهم، وعن الإسراع إليه والسير والسلوك والمشي والتقرب والوصول ما كسبت أيديهم. حَجَبَ القلوبَ ما ران عليها وعلاها من أوساخ الذنوب والمعاصي والنفاق وسوء الظن بالله وبعباده والكسل عن الطاعات.
حَجَبَهم قرناء السوء واستخفافُهم بالصالحين وحسدُهم وقياسهم للآخرين على أنفسهم عن صحبة الأخيار وهي الشرط الأول في السلوك. حجبهم الغفلة والعادة والطبع والهوى والأنانية وتأويل كلمة الحق عن ذكر الله وعبادته على قدم السنة، والذكر هو الشرط الثاني في السلوك. وحجبهم كذبهم وتكذيبهم بالحسنى ونفاقهم عن صدق التوبة، وصدق النية، وصدق اليقظة، وصدق الاعتقاد، وصدق الطلب مع الصادقين، والصدق هو الشرط الثالث.
ومن تركيب هذه الموانع والحجب وضرب بعضها في بعض تنتُج الأعداد الهائلة، حتى يُقال: إن بين بعض العباد وربهم سبعين ألف حجاب من ظلمة ونور. وما وضع هذه الحُجُبَ غيرهم، ولا كسب سيئاتِها سواهم.
قال الله تبارك وتعالى يخبرنا عن حال المجرمين: )كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ( (سورة المطففين، الآية: 14). الرَّيْنُ: الصدأ.
وقد شرح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتكون هذا الصدأ ويعلو القلوب فتنحجب عن ربها عز وجل، فقال فيما رواه مسلم عن حذيفة: "تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عَوْداً عَوْداً. فأي قلب أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء. وأي قلب أنكرها نُكِت فيه نكتةٌ بيضاء. حتى تصير على قلبين: أبيضَ مثلَ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مُرْبادّاً كالكُوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشْرِبَ من هواه". الحديث.
تعرض الفتن كالحصير عودا عودا: قال ابن الأثير: تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس. عَوْدا عَوْدا: أي مرة بعد مرة. قال: أشربها. دخلت فيه وقبلها وسكنت فيه. مُرْبَادّاً: الذي في لونه رُبدة وهي بين السواد والغُبْرة. كالكوز مُجَخِّياً: كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال.
هكذا يعلمنا الله ويعلمنا رسوله أثر مكاسبنا على قلوبنا. ما من عمل حسن إلا يزداد به القلب بياضا ونورا. وما من خطيئة وفتنة يُشْرَبُها القلب ولا يتوب فاعلها ويستغفر إلا نَكَتَتْ في قلبه سوادا. ويتراكم السواد طَبَقا عن طبق حتى يؤلِّفَ صدأ يرين على القلب فيحجبه عن ربه عز وجل دنيا وأخرى.
السلوك سير قلبي، والمشايخ المسلِّكون أطباء في تصفية القلوب. ليس طِبُّهم من قبيل وصف الدواء من بعيد، بل هم أنفسهم دواء، صُحْبتهم ومجالستهم ومحبتهم ومخاللَتهم تَعَرُّضٌ مباشر للإشعاع القلبي الشافي بإذن الله الذي يودعه الله عز وجل في قلوب أوليائه.
لكن كيف يعتَرِف عليلُ القلب، وداؤه مستورٌ عن الأبصار، أنه مريض! داء العُجْب يمنعه عن الاعتراف. أم كيف يقصد رجلا مثلَه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يقول له: داوني! الكبرياءُ وسوءُ الظن يمنعان من ذلك. حُجُبٌ بعضُها فوق بعض وظلمات. ويموتُ مريض القلب بدائه، لم يعرفه، أو عرفه ولم يرض بعرضه على أصحاب البصائر. وتسمعه يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة نبيه. وما عنده علم بالمصيبة الجُلَّى التي أصابت قلبه وسره فمَنعته من ملامسة نور الكتاب ونور السنة. ألا وهي مصيبة الرين والحجاب.
قال الإمام الرفاعي رحمه الله: "أيْ بُنيّ! اعلم أن أعظم مصائب السر حجابُه عن الله تعالى. فكل من حلت به هذه المصيبةُ فقد تلاشت سائر مصائبه في جنبها. فإن المحجوب سكران، والسكران لا يجد حالة سكره وجعَ المصيبة. فإذا أفاق وجد الألم.
"ومصيبة المحجوب لا تنجبر أبدا إلا بتجريد السر عن كل ما دون الله تعالى. ولا وعيد في القرآن أصعب من قوله تعالى : ) كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم( (سورة المطففين، الآية: 14).
"فكم من طاعة حَجَبت صاحبها عن المطاع (سبحانه)، وكم من نعمة قطعت صاحبها عن المُنعم. ورُبَّ نائمٍ رُزق الانتباه بعد رقدته، ومنتبهٍ نام بعد طول الانتباه. ورب فاجر رُزق الولاية، وبلغ منازل الأبرار، وزاهد سقط عن ولايته وسلك مسالك الفجار. وكم من عامل حجبته رؤية أعماله عن رؤية امتنان ربه حتى عميَتْ بصيرته فصار مبعدا وهو يحسب أنه واصل.
"ولا مصيبة أشد على العارف من الحجاب ولو طرفة عين. وأعظم عقوبة على العبد البُعد من الله والحجابُ"[1].
قال رحمه الله:«واعلم أن الكفار محجوبون بظلمة الضلالة عن نور الهدى. وأهل المعصية محجوبون بظلمة الغفلة عن نور التقوى. وأهل الطاعة محجوبون بظلمة رؤية الطاعة (أي الاعتزاز بعملهم من دون الله واهب المنن والاستكبار به والاستغناء) عن أنوار رؤية التوفيق وعناية المولى.
"فإذا رفع الله عنهم هذه الحجب نظروا بأعين النور إلى النور. فعند ذلك يحجبون عن غيره به.
"فكل من نظر إلى حركاته وأفعاله في طاعة الله صار محجوبا عن وليها (سبحانه) مفلسا. ومن نظر إلى وليها صار محجوبا به عن رؤيتها. لأنه إذا رأى عجزه عن تحقيقها وإتمامها صار مستغرقا في امتنانه. وربما يُحْجَب برؤية العبادة عن وجدان حلاوتها. وربما يُحْجَبُ برؤية وِجدان الحلاوة عن صحة الإرادة. وربما يُحْجَبُ برؤية المنة عن رؤية المنان سبحانه"[2].
قلت: نَعَمْ! المحجوب سكران: سكرة العقل بعلمه ومخزون مكتسباته، وسكرة النفس بأنانيتها واستكبارها، وسكرة الماجن بلذاته، والرئيس برئاسته، والمالك بمِلْكِهِ، والمعافَى بصحة بدنه، والمريض بمرضه، والفقير المُعْوِز بعَوَزه، حتى تحيط بالدنيا وهوسها عدّاً، عكسا وطردا. الدنيا دار فتنة، وما من فتنة عينية جزئية أُشْرِبَها القلبُ حتى استقرت فيه إلا أظلمت ركنا منه وتكاثف عليه الريْنُ فما بالك بمن أُشْرب حبَّ الدنيا كلها، وهي الفتنة مُجَسَّدة! لذا كان حب الدنيا رأسَ كل خطيئة، وكانت حجابا عن الآخرة، وكانت هي والآخرة، لمن وقف عندهما بسره، حجابا عن الله عز وجل.
والموفَّق من لا يقف مع شيء من دون الله، خصوصا مع طاعته يَعتَدُّ بها ويباهي. الموفق من يخرق الحجاب الأكبر، وهو الزمان، وهو العمر، وهو حظه من الدنيا، ويطويه فيطلِّقُ الدنيا من قلبه، ثم يطلق الآخرة من سره، ويقطع المراحل كأنه في الدنيا غريب أو عابر سبيل. يقطع المراحل وهمُّه الله لا غيره.
قال شيخ الإسلام ابن القيم: "العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه. ومدة سفره هي عمره الذي كتب له. فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه. ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره. فكلُّ يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة مرحلة حتى ينتهي السفر.
"فالكيِّس الفطن (الموفق) هو الذي يجعَل كل مرحلة نُصْبَ عينيه، فيهتم بقطعها سالما غانما. فإذا قطعها جعل الأخرى نُصْبَ عيْنيه. ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه، ويَمْتَدَّ أمله، ويحضر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل. بل يعدّ عمْرَه تلك المرحلة الواحدة. فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته.
"فإذا تيقن قِصَرَها وسرعة انقضائها هان عليه العمل، فطوعت له نفسه الانقياد إلى التزوُّدِ. فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك. فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها. فيحمد سعيه، ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته. فإذا طلع صبح الآخرة، انقشع ظَلاَمُ الدنيا، فحينئذ يحمد سُرَاهُ، وينجاب عنه كَراهُ. فما أحسن ما يستقبِلُ يومه وقد لاح صباحُه، واستبان فلاحه"[3].
قال الشيخ عبد القادر: "ويحك يا جاهل! بدل ما تشغل نفسك بالاعتراض، اشغلها بالسُّؤال من الحق عز وجل. شاغِلْها به حتى تذهب أوقات البلايا وتنطفئ نيران الآفات(...)
"إذا تحيرت قل : يا دليلَ المتحيرين دُلني. إذا ابْتُليتَ وعجزت عن الصبر قل: إلهي أعِنِّي وصبِّرني واكشف عني. وأما إذا وصلت، وأُدْخِل قلبُك وقُرِّبَ منه، فلا سؤال ولا لسان! بل سكون ومشاهدة. تصير ضيفاً. والضيف لا يَتَشَهَّى، بل يُحْسِنُ الأدبَ، ويأكل ما يُقَدَّم له، ويأخذ ما يعطى. إلا أن يقال له: تشهَّ! فيتشهى امتثال أمر لا اختياراً منه.
"السؤال عند البعد، والسكوت عند القرب. القوم لا يعرفون غير الحق عز وجل. تقطعت الأرباب عنهم، وانخلعت الأسباب من قلوبهم(...)
"من ادعى محبة الله عز وجل وطلب منه غيره فقد كذب في محبته. أما إذا صار محبوبا واصلا ضيفا مقربا فيقال له: اطلب وتشَهَّ وقل ما تريد فإنك مُمَكَّنٌ!(...) اطلبوا منه طيبة القلوب معه، فإنه يُوَسِّع طيبة القلوب على من يشاء، يُكثِر أرزاق القلوب على من يشاء"[4].
قال مخالف لهواه وشهوات نفسه في الدنيا:
إذا طالبتك النفـس يـوما بشهـوة وكـان علـيـهـا للقـبـيـح طـريق
فدعها وخالف ما اشتهيت فإنما هـواك عـدوٌّ والخـلاف صـديـق

وقال مغترب في الدنيا، طاوٍ المراحلَ إلى عليّين:
بنفسي إذا نفسي أنابت وأصلحت غـريـبٌ جـرت من مقلتيه غُـروب
إذا ذكـر المــولـى تـنـسـم قلـبـه وإن غلبـتـه النفـس كـاد يـذوب
أنــاخ بعِلّـيّـِيــن رائــدُ ســره إلى حيث لا تمضي العقـول يجوب
أبـى الله أن تُـدْرى ذخـائـره التي شَـآبـيـبُـهـا مـاء السمـاء يَـصـوبُ
هم حـسـنـات الدهـر عند كمـالـه ولـكـنـهـم عنـد الأنــام ذنــوب
محبتهـم فـرض ورُؤيـتـهـم هـدىً وللـديـن مـنـهـم ألْـسُـنٌ وقـلـوب
بَـقيتَ قـرير العـين ما دمت فيهم وجـانـبـك المكـدور وَهْـوَ نَـكُـوبُ

وقلت:
أناخَتْ بأعْلى الشَّوْطِ سَـامقُ هِمَّةٍ يُراودُها الوعْدُ الشَّـريـف المُصـدَّق
تنسَّــمَ قَلبي الطِّيــبَ من قُرب ربِّه فَليــس لــه دون الإلــه تَـعــلُّـــقُ
إلى المَـلإِ الأعلَــى تَـتــوقُ جُهــودُنَـا وَلِــي بالنَّــبيِّ الهَــاشميِّ تَـعـشُّــقُ
عليــه صــلاة الله ثــم ســلامــه أُردّدهــا والقلـب بالحـبِّ يَـخْـفُــقُ




[1] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 133-134.
[2] المصدر السابق ص 135-136.
[3] طريق الهجرتين ص 234.
[4] الفتح الرباني ص 237.

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2011   #3
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

2.الطريق خطرة
بسم الله الرحمن الرحيم. )واغفر لنا ربنا. إنك أنت العزيز الحكيم(. اللهم يا ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وإنك تفعل ما تريد.
يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله عن طريق السلوك الصوفي: "كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد!". في اصطلاح الإسلاميين المعاصرين يعرف "المتساقطون في الطريق" بأنهم الذين نكصوا على أدبارهم وتخلوا عن الدعوة لأسباب الابتلاء الخارجي، أو لأسباب نفسية تنظيمية، أو لمجرد ملل أو شك في القيادة والمنهاج، أو استبطاءً للنتائج.
وإذا كان الصبر والمُثَابرة والاستمرار خصالا ضرورية في العمل الجماعي الجهادي فإنها أيضا ضرورية في سلوك طريق الولاية. على أن أسباب التساقط في هذه الأخيرة أوفر عددا وأعمق في الاعتبار.
إن الاستمساك بعروة الدين وسط الفتنة والغربة رجولةٌ لا يتحلى بها إلا الأقوياء ذوو العزائم والمضاء، سواءً في ذلك السائرون في الطريق الجماعية الجهادية أو في الطريق الفردية الصوفية. روى أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأَصحابِه: "فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبرُ فيهن كالقابض على الجمر. للعامل فيهن مثل أجْر خمسين يعملون مثل عملكم". ورواه أيضا الطبراني وابن حبان وغيرهما فارتفع الحديث إلى درجة الصحة.
ضوعف الأجر بمضاعفة البلاء. وتعاظم الخطر في الطريق الصوفية لعلوِّ المقصد وطول الشُّقَّة وشروط الصحبة ودوام الذكر والحضور ومحاسبة النفس ودقة المعاملة مع الله عز وجل. ولئن كان المتساقطون في طريق الجهاد قد يلحقون بالمنافقين فإن المرتدين عن الطريق الصوفية والغاطسين في أوحالها قد ينزلقون من سكر الطريقة و"كفرها" إلى الزندقة والإلحاد كما انزلق الحلولية والاتحادية والإباحيون. قاتلهم الله، أنى يوفكون.
إن الاقتصاد في السلوك معناه السير الحثيثُ المتواصل بين طرفي الإفراط في الحماس الكاذب الذي يظهر على المبتدئين في السير ثم يخبو ويضمحِلُّ، وبين التراخي المالِّ المُمِلِّ الآئل إلى التوقف والفشل. هذان الطرفان المذمومان يُعَبِّرُ عنهما النطق النبوي بـ"الشِّرّة" و"الفَترة".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء شِرَّةً، ولكل شيء فَتْرَةً. فإنْ صاحِبُها سدد وقارب فارجوه. وإن أشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوه". أخرجه الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه ابن حبان.
السائر إلى الله عن طريق الولاية، كالسائر مع الجماعة في طريق الجهاد، يعتريه حماسٌ أحيانا فيشتد، ويعتريه الفتور لأسباب ظاهرة أو نفسية فيسترخي. فيقول الدليل الرباني محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالة وتلك: إن رأيتم المشتد والفاتر رجعا إلى استقامة مقتصدة قاصدة من بعد التطرف فارْجُوا للراجع نجاح القصد. أما إن خرج عن دائرة المحمود من السلوك المثابر وتمادى في مذموم الشرة والفترة حتى أصبح شاذا يشار إليه بالأصَابع ويعرف بتطرفه فلا تَحْسُبُوه من المفلحين.
عَقَدَ السائر مع الجماعة العاملة للإسلام عهدا مع الله عز وجل ومع أصحابه، وعَقَدَ طالب القربة من الله عز وجل خاطبُ مقامات الولاية عهدا. عاهد كل الله تعالى لينصرانِّ الله في أنفسهما أو في العالم. فنقضَ ذلك العَهْدَ سقوطٌ وسلبٌ نعوذ بالله من السقوط والسلب. وليس عامل من عوامل الفشل أبْلغَ هدماً للإرادات من النفس. ما كان من قتيل وجريح وساقط وسليب وطريد في طريق الله عز وجل فمن النفس المعتَرِكَةِ بين شهواتها وأنانيتها وبين المغريات الخارجية، بين ما عندها من قياس واستئناس وبين ما يدخل أو يخرج من عوائد الناس. قال الله تعالى: ) وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ( (سورة النساء، الآية: 79).
الابتلاء الخارجي والاستفزاز الشيطاني ما هما إلا الجانبان الأضعفان في مُرَكَّب العقبة التي على المرء أن يقتحمها صُعُداً إلى رضى الله ومعرفته والوصول إليه. ووجود النزغات النفسية العدوَّة هو الذي يعطي للجهاد معناه وقيمته، ولنصر الله عز وجل عبده في معركة النفس والآفاق مغزاه ومداه. قال حكيم الصوفية الشيخ ابن عطاء الله: "ما توقف مطلب أنت طالبُه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك".
عاهد الله كل من الملتزم مع الجماعة والمريد الطالب وجه الله عز وجل على الاستقامة في السير إلى ما رسمه كلٌّ من أهداف. الشرط على المبتدئ بالعهد الذي نذر نفسه لله تعالى الاستقامة، والشرط الذي أخذه الله عز وجل على نفسه ووعد بإنجازه لمن وفَّى هو الهدايةُ بمقتضى قوله عز من قائل: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( (سورة العنكبوت، الآية: 69). صدق الله العظيم، ووثِقَ به سبحانه وصدَّقه وصدَقَه كل عبد ذي مَحْتِد كريم. وما خذلك في سيرك إلا نفسك، فانظر من أين أُتيتَ.
إن الصدق سيف الله في الأرض، والثقة به سبحانه زاد السائر السالك. فمهما أخلَّ العبد بشرط الصدق قطعه سيف الله، ومتى اختلت ثقته بِربه عز وجل سقط على أم رأسه.
أما إن وفَّى العبد بشرط الصدق فإن الله مع الصادقين. قال ابن القيم رحمه الله: "وهو (الصدق) سيف الله في أرضه، الذي ما وُضِعَ على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه. من صال به لم تُرَدَّ صولتُه. ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال، ومِحَكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال"[1].
وأشد الأهوال مُظْلِماتُ النفس وتُرَّهاتُها وتعاظُمُها وكبرياؤها. يهون الحجاب الزمني أمام حاجِبِيَّتِها. وما أوقات العمر كلِّه إلا محطاتٌ لنزواتها وتحولاتها وتقلباتها. وما للسالك إلى الله عز وجل من راحة من أفعى نفسه حتى يخرج من سلطانها ويكسر سوْرَتها بمطرقة الذكر على سندان المخالفة والمحاسبة حتى تفيء إلى أمْر الله.
فإن فاءت فالصلح معها جائز على أن تقف في حدود الله، وتَفْسَحَ للقلب باب المعاملة الصادقة الواثقة معه سبحانه.
النُّقلة من المعاملة النفسية الملتوية إلى المعاملة القلبية المستقيمة نُقلة نوعية، نُقلة من أرض الوباء النفسي، أرض المزالقِ والمهاوِي والسقطات، إلى سماء الوفاء القلبيِّ. على أن النفس الأمارة بالسوء لا تُؤْمَنُ بَوائِقُها أبدا إلى أن تطمئن بالموتة المكتوبة فيقال للمُحسنات منهن )يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي( (سورة الفجر، الآية الأخيرة).
قال الإمام الرفاعي في فقه المعاملة القلبية: "معاملة القلوب على عشر مدارج. أولها الخطرات، ثم حديث النفس، ثم الهم، ثم الفكر، ثم الإرادة، ثم الرضى، ثم الاختيار، ثم النية، ثم العزيمة، ثم القصد. حتى يبلغ إلى عمل الظاهر.
قال: "فمن حفظ معاملة القلب عند الخطرات فهو على مدارج الصديقين. ومن قام لله تعالى فحفظ معاملة القلب عند حديث النفس فهو على مدارج المقربين. ومن قام لله تعالى فحفظ معاملة القلب عند الهم فهو على مدارج الأوابين. ومن قام لله على حفظ معاملة القلب عند الفكرة فهو على مدارج المخلصين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند الإرادة فهو على مدارج المريدين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند الاختيار فهو على مدارج المتقين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند النية فهو على مدارج الزاهدين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند القصد فهو على مدارج المجتهدين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند عمل الظاهر فهو على مدارج العابدين من عامة الموحدين"[2].
قلت، والبناء هرمي، إنما يبني في الهواء مَن لا أساس له من عمل الجوارح كما يعمل العابدون من عامة الموحدين. والصعودُ في هذه المدارج والمعارج قلبيٌّ يتقدم فيها القلب بخطى المعاملة اليقظة الوفية مع الله تبارك اسمُه، وليس للنفس الحابِطة الهابطة سيرٌ ولا دُروج ولا عُروج، ثَبَّطَها شِرْكها بالخَلق ومُراءاتها ونفاقها وشقاقها على المعالي.
قال الإمام عبد القادر: "كل البلايا والأمراض في شِرْكِكَ بالخلق، ورؤيتهم في الضّرِّ والنّفع، والعطاء والمنع. وكل الدواء وزوال البلاء في الخروج عن الخلق من قَلبِك، وعزمك عند نزول الأقضية والأقدار. وأن لا تطلب الرياسة على الخلق والعلو عليهم. وأن يتجرد قلبك لرَبك عز وجل، ويصفو سرُّكَ له، وتَعْلُوَ همتك إليه.
"إذا تحقق لك هذا ارتفع قلبك، وزاحم صفوف النبيئين والمرسلين والشهداء والصالحين والملائكة المقربين. وكلما دام لك كبُرتَ وعظُمْتَ ورُفِعْتَ وقُدِّمت وولِّيت وأُمِّرْتَ. تُرَدُّ إلى ما تُرَدُّ، تُوَلَّى ما تُوَلَّى، تُعْطَى ما تُعْطَى. المحروم من حُرِم سَمَاع هذا الكلام والايمان به والاحترام لأهله.
"يا مشغولين بمعايشهم! غِنَى المعيشة عندي! والأرباحُ عندي! ومتاع الأخرى عندي! وأنا منادٍ تارة، وسمسارٌ أخرى، ومالِكُ المتاع أخرى. أُعْطِي كل شيء حقه(...)
"كل من اطلع على كرم الله عز وجل لا تجد عنده بخلا. كل من عرف الله عز وجل هان عنده ما سواه. البخل من النفس، ونفس العارِفِ ميّتة بالاضافة إلى نفوس الخلق. هي مطمئنة إلى وعد الله عز وجل خائفةٌ من وعيده.
"اللهم ارزقنا ما رزقت القوم، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"[3].
قلت: تُرى من هذا الذي يقول: أنا! وعندي! ما هو طَبْلٌ أناني فارغ، بل هي والله نفس عارف بالله جلت عظمته، لا يَعظُم في عينه شيء غيرُ الله، وما ينادي ويُسَمْسر في بضاعة غير بضاعة الله.
قال الإمام الشافعي يصف أهوال الطريق إلى سُعادِ السعادة:
كيف الوصول إلى سُعادَ ودونها قُلَلُ الجبال ودونَهُـنَّ حتـوف!
والرجـل حـافيَة ولا لي مركـبٌ والكف صِفْـر والطـريق مَخـوفُ

وقال سائر سالك مغترب غاب عنه الركب:
ومغـتـرب بالأرض يبكـي لشَـجْـوه وقد غاب عنه المُسْعِفُـون على الحُب
إذا ما أتـاه الركـب من نحـو أرضـه تـنـشَّـقَ يستشْـفي بـرائحـة الرَّكـب

وقال غريب المثوى، غريب الأحوال، هائم في غيب الملكوت:
مستعجم السـر صامت ذاكـر منعجـم الأمـر غـائب حاضـر
منقـبـض في الغيـوب منبسـطٌ إذا بدا الغيـب مُطـرقٌ نـاظـر
تراه تحت السكوت منطـرحا كـذاك من كـان عـارفـا ذاكـر
يـرقـد فـي لـيـلـه بلا سِـنَـةٍ فهو مدى الليـل راقـدٌ ساهـر
يُـؤْيِـسُه الظـن ثم يُـطْـمِـعه! فمـن رأى قَـطُّ آيِسـا ظـافـر!

وقلت:
كَم ســاقِـط وجَريــحٍ على الطَّـريق المَخُـوفْ
في البَـرِّ وعْرُ البَــوادي وفي البُحــورِ الحُتـوفْ
مـا لِلوصــول سَبيــلٌ إلاَّ بِخــلٍّ عَـطــوفْ




[1] مدارج السالكين ج 2 ص 368.
[2] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 168.
[3] الفتح الرباني ص 71.

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2011   #4
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

3.آداب السلوك
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا. إنك على كل شيء قدير(. اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. سلما لأوليائك وعدوّاً لأعدائك. نحب بحبك من أحبك. ونعادي بعداوتك من خالفك.
الأدب لغة هو الدعوة والجمع والتعليم. فمن اجتمعت فيه خصال الدعوة إلى محامد الأفعال والأخلاق والنيات، وتحلى بمجامعها، وتعلمها ثم علَّمها فذاك الأديب.
والأدب في اصطلاح الصوفية وأهل السلوك عبارة عن حفظ آداب الحضرة الإلهية. وقد افتتح الأستاذ القشيري "باب الأدب" من رسالته بقول الله عز وجل عن نبيه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم في معراجه وقربه من ربه: )مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى( (سورة النجم، الآية: 17) فعد ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام الأقدس وطمأنينته أدبا. وعلق ابن القيم رحمه الله على صنيع الأستاذ فأحسن التعليق. قال: "لم يتجاوز البصر حده فيَطغَى، ولم يمِلْ عن المرئي فيزيغَ. بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئي، ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلبُ في الإقبال على الله، والإعراض عما سواه. فإنه أقبل على الله بكليته.(...) وهذا غاية الكمال في الأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه(...)
وقال: "فلم يزل صلى الله عليه وسلم في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه وتكميل مراتب عبوديته له حتى خرق حجب السماوات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين. فانصبَّت إليه هناك أقسامُ القرب انصبابا، وانقشعت عنه سحائب الحُجْب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا. وأقيمَ مقاما غَبَطه به الأولون والآخرون. واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله، ما زاغ البصر وما طغى"[1].
قلت: وفي هذا المقام الأسنى والدرجة العليا علمه ربه عز وجل وكلفه وشرفه، تتميما لتعليم الوحي لمَّا كان في الأرض وبعد أن رجع إليها. فاجتمع فيه صلى الله عليه وسلم كمال العلم وكمال المحامد، وعلم أمته فأحسن التعليم كما علمه ربه وأدبه. روى ابن السمعاني عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد صححه السيوطي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
فأدَبُ أتباعه صلى الله عليه وسلم يبتدئ وينتهي عند اتِّباعه صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه عز وجل، مع محبته وطاعته. فالأدب بهذا المعنى هو الدين كله، يشمل آداب القول والفعل والتخلق والنية. يشمل آداب المسلمين والمومنين والمحسنين السالكين، كلٌّ على حسب مدرجته وحظه من الله ومن العلم بالله، يشمل الأدب مع الله عز وجل ومع رسوله الكريم ومع الخلق كافة.
يتعين على السالكين إلى مقامات الإحسان وفيها يقظة خاصة حتى يؤدوا مراسيم العبودية مما فرضهُ الله عز وجل وندب إليه ونهى عنه وكرهه بالدقة التي يحرسها الورع، ويُجَلِّلها في القلوب الحضور الدائم مع الله عز وجل، ويوفِّيها هضم حق النفس الزائغة الطاغية بطبعها وهواها ليُصان حقُّ الله وحق عباد الله.
الأدب إحسان يلُفُّ سلوك السائر إلى الله عز وجل، المتقرب إليه سبحانه بالفرض والنفل، وبالنية الصادقة الواثقة في أن يُوَفِّيَ له الله تبارك اسمه ما وعد. يكتنف الأدبُ أقوال المريد الصادق الواثق وأفعالَه وأخلاقَه وخلجات قلبه في علاقته بالمصحوب الذي يدله على الله، وعلاقته بالجماعة المرافقة له في الطريق، وعلاقته بالله عز وجل في الصلاة والذكرِ وسائر العبادات. منبع هذا الأدب القلب ورقيق معاملته وصادق تحبُّبِه ومجاملته. فإن كان في القلب بقايا من جفاء وجفوة، أو سطا عدوان النفس الهَلوعة المنوعة على فَيْضات القلب فكدَّر منها الصفو وأزعج منها الانبعاثَ، فيرد هذا السالك إلى سياسة نفسه في صفوف العوام لِسوء أدبه.
العبد السالك بين طاعة ونعمة توجبان الشكر، وبين قضاء وقدر يلزم معهما الصبر، وبين معصية وتقصير وغَفلة طارئة يفر منها إلى الله العزيز الغفور بالتوبة المجددة والاستغفار. فهو في كل حالاته متنقل لا يستقر من شعور لشعور، ومن حركة لحركة، ومن لفظ لسان إلى خَفْق جنان. كل هذا في عبادة لا تنقطع، يرجع دائما من الله إلى الله، شأن الذاكر الدائم على صلاته، المحافظ على دقائق أوقاته.
وقد تكلم المشايخ في الأدب كلاما يعود في جملته إلى قهر النفس والمعاملة القلبية مع الله عز وجل. قال سعيد بن المسيَّب التابعي الجليل: "من لم يعرف ما لله تعالى عليه في نفسه، ولم يتأدّبْ بأمره ونهيه، كان من الأدب في عزلة". وقال عبد الله بن المبارك: "نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم". وقال أيضا: "الأدب للعارف كالتوبة للمُستأنِف".
وقال عالم الصوفية الشيخ سهل بن عبد الله التستُري: "من قهر نفسه بالأدب فهو يعبُد الله تعالى بالإخلاص". وقال: "استعانوا بالله على أمر الله فصبروا على أدب الله تعالى".
وقال ابن عطاء: "الأدب الوقوف معَ المستحسنات". قيل له: وما معناه؟ قال: "أن تعامل الله تعالى بالأدب سرا وعلنا. فإذا كنت كذلك كنت أديبا وإن كنت أعجميّاً".
وقال أبو علي الدقاق: "ترْكُ الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رُدَّ إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب".
وذكر أبو نصر الطوسي السَّرّاج أدب الناس فقسمهم ثلاث طبقات: أهل الدنيا، وأهل الدين، وأهل الخصوصية. قال: "فأما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك. وأما أهل الدين فإن أكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح، وطهارة الأسرار وحفظ الحدود، وترك الشهوات، واجتناب الشبهات، وتجريد الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات".
قال: "وأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواطن الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب".
قلت: وكلما ارتقى العبد في سلم المعرفة بالله عز وجل كانت تكاليف الأدب وضبط النفس عليه أدقَّ وأرقَّ. وقد قال يحيى بن معاذ. "إذا ترك العارف أدبَه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين". ولخَّص الموقف النفسيَّ القلبيَّ للسالك خير تلخيص شيخ الإسلام ابن القيم فقال عن حالة الفتح وأخطار سوء الأدب فيه: "مواهب الرب تبارك وتعالى تنزل على القلب والروح، والنفس تسترق السمع. فإذا نزلت على القلب تلك المواهب، وَثَبَتْ لتأخذ قسطها منها، وتُصَيِّرَه من عُدَّتها وحواصلها. فالمسترسلُ معها، الجاهل بها، يَدَعُها تستوفي ذلك.
قال: "فبينا هو في موهبة القلب والروح وعُدة وقوة له، إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها وعُدَدِها. فصالت به وطغت، لأنها رأت غناها به. والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال، فكيف بما هو أعظمُ خطرا وأجـل قدراً من المال بما لا نسبة بينهما من علم أو حال أو معرفة أو كشف. فإذا صار ذلك من حاصلها انحرف العبـد به -ولا بد- إلى طرَفٍ مذموم من جُرْأة أو إِدْلاَلٍ ونحو ذلك".
قال: "فوالله كم ههنا من قتيل وسليب وجريح يقول: من أين أُتيتُ؟ ومن أين دُهيتُ؟ ومن أين أصِبْتُ؟ وأقلّ ما يعاقب به من الحرمان بذلك أن يُغلق عنه باب المزيد.
قال: "ولهذا كان أرباب البصائر إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طَرَفِ الذُّلِّ والانكسار ومطالعة عيوب النفس، واستدعوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرباط بملازمة الثغْر بين القلب وبين النفس، ونظروا إلى أقرب الخلق من الله عز وجل وأكرمِهم عليه وأدْناهم منه وسيلةً وأعظمهم عنده جاها، وقد دخل إلى مكة يوم الفتح وذقَنُه تمس قربُوسَ سَرْجه انخفاضاً وانكسارا، وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال التي عادة النفس البشرية فيها أن يملِكهَا سرورُها، وفرحها بالنصر والظفر والتأييد، ويرفعها إلى عنان السماء.
قال: "فالرجل من صان فتحه ونصيبه من الله، وواراه عن استراق نفسه، وبخل عليها به. والعاجز من جاد لها به. فياله من جود ما أقبحه، وسماحة ما أسفه صاحبها. والله المستعان"[2].
قلت: لوجود علة النفس الميَّالة للفرح بزينة الدنيا وللطغيان إذا استغنت خاف المشايخ المربون على السالك أن توقفه عن السير وتزيغه عن القصد بوادر الفتح إن فاجأته قبل أن تزكُوَ نفسه وترتفع عن المطالب الدنيا. وكل ما سوى وجه الله عز وجل دون، ولو كان من علوم الغيب والكشف والكرامة. قال المشايخ رضي الله عنهم "من سبق فتحه جهاده لنفسه لا يأتي منه رجل".
وقال الإمام عبد القادر رضي الله عنه: "يا قومُ. دعوا عنكم الهوسات والأمانيَّ الباطلة.(...) اِخرَسْ أنت. فإن أراد الله عز وجل منك النطق فهو ينطقك. إذا أرادك لأمر هيأك له. صحبتُه (سبحانه والأدب معه) خرسٌ كليٌّ. فإذا تم الخرس يجيء النطق منه إن شاء أو يديم ذلك إلى حينِ الاتصال بالآخرة.
"وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عرف الله كلَّ لسانُه". يَكِلّ لسان ظاهره وباطنه عن الاعتراض عليه في شيء من الأشياء. يصير موافَقَةً بلا منازعة. يُعْمِي عينيْ قلبه عن النظر إلى غيره. يتمزق سرُّه، ويتلاشى أمرُه، ويتفرق ماله، ويخرج من وجوده، ويخرج من دنياه وآخرته. يذهب اسمُه ورسمُه. )ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ( (سورة عبس، الآية: 22).
"يوجِدُه بعد الفقد، يعيده خلقا آخر، يفنيه بيد الفناء، ثم يعيده بيد البقاء ليطلب اللقاء. ثم يعيده ليدعوَ الخلق من الفقر إلى الغنى. الغنى هو الغنى بالله عز وجل والاتصال به. والفقر هو البعد عن الله عز وجل والاستغناء بغيره. الغَنِيُّ من ظفر قلبه بقرب ربه عز وجل، والفقير من عدِمَ ذلك"[3].
قال حائر في سيره، مدهوش لما رأى من أمره:
إن كنتُ أدْرِي من أين آتي وأيـن مـن حَـيْــرَةٍ أمُــرُّ
فأنت يا مـركـبي حبـيـسٌ ويا غـلامـي فـأنـت حُــرّ

وقال هائم في بحار الأنوار:
تعَـرَّضْ نَسِيمـا هَـبَّ من أَرضِ نُـعـمـان لِـيـحـيَـى به ما مات من قلب هَـيْـمَـانِ
وقف عن يمين الروح من جانب الحِمَى وقـوف ذليـل هـائـم القـلـب حَـيْـرَان
ونـاد: سـلام اللـه يـا بـانـة الحِـمَـى عليـك ومـن لي بالسـلام عـلى الـبـان!
وقـل إن رآك الواشِـيَــان مُــدَلَّـهـا ضَـلَلْـتُ على النـهـج القـويـم فـدُلاَّنـي
فـإن شـئـتـمـا قـتـلا فهـا أنـا صـابـرٌ وإن شـئـتـمـا أسْـرا لـديـكـم فـشُـدّاني
لـعـلـهــمُ أن يـسـمـعــوا لك أَنَّـةً فـنـادِهـمُ: صفـحَ الكـرام عـن الجـاني

وقال طيَّار على رفرف العناية ما عرف الخلقُ مَسْرَاهُ:
تَسـتـرتُ عن دهـري بِظلِّ جناحه فـطـرفي يرَى دهـري وليس يـراني
فلو تسألُ الأيامَ ما اسْمِـيَ ما دَرَتْ وأيـنَ مكـاني؟ مـا عـرفـن مكـاني

وقلت:
كَـبِّــرِ اللّه واعْــزِم واقتَحمْها لا تُحجِم
ومَـعَ اللّه فـاتَّـخِــذْ عَهْـدَ عَبـدٍ مُسَلِّــم
وتـأدَّبْ بشـرعِــه وتـوكَّــل وأقْــدِم




[1] مدارج السالكين ج 2 ص 383.
[2] مدارج السالكين ج 2 ص 394.
[3] الفتح الرباني ص 172.

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2011   #5
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

4.آداب السلوك
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا. إنك على كل شيء قدير(. اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. سلما لأوليائك وعدوّاً لأعدائك. نحب بحبك من أحبك. ونعادي بعداوتك من خالفك.
الأدب لغة هو الدعوة والجمع والتعليم. فمن اجتمعت فيه خصال الدعوة إلى محامد الأفعال والأخلاق والنيات، وتحلى بمجامعها، وتعلمها ثم علَّمها فذاك الأديب.
والأدب في اصطلاح الصوفية وأهل السلوك عبارة عن حفظ آداب الحضرة الإلهية. وقد افتتح الأستاذ القشيري "باب الأدب" من رسالته بقول الله عز وجل عن نبيه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم في معراجه وقربه من ربه: )مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى( (سورة النجم، الآية: 17) فعد ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام الأقدس وطمأنينته أدبا. وعلق ابن القيم رحمه الله على صنيع الأستاذ فأحسن التعليق. قال: "لم يتجاوز البصر حده فيَطغَى، ولم يمِلْ عن المرئي فيزيغَ. بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئي، ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلبُ في الإقبال على الله، والإعراض عما سواه. فإنه أقبل على الله بكليته.(...) وهذا غاية الكمال في الأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه(...)
وقال: "فلم يزل صلى الله عليه وسلم في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه وتكميل مراتب عبوديته له حتى خرق حجب السماوات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين. فانصبَّت إليه هناك أقسامُ القرب انصبابا، وانقشعت عنه سحائب الحُجْب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا. وأقيمَ مقاما غَبَطه به الأولون والآخرون. واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله، ما زاغ البصر وما طغى"[1].
قلت: وفي هذا المقام الأسنى والدرجة العليا علمه ربه عز وجل وكلفه وشرفه، تتميما لتعليم الوحي لمَّا كان في الأرض وبعد أن رجع إليها. فاجتمع فيه صلى الله عليه وسلم كمال العلم وكمال المحامد، وعلم أمته فأحسن التعليم كما علمه ربه وأدبه. روى ابن السمعاني عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد صححه السيوطي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
فأدَبُ أتباعه صلى الله عليه وسلم يبتدئ وينتهي عند اتِّباعه صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه عز وجل، مع محبته وطاعته. فالأدب بهذا المعنى هو الدين كله، يشمل آداب القول والفعل والتخلق والنية. يشمل آداب المسلمين والمومنين والمحسنين السالكين، كلٌّ على حسب مدرجته وحظه من الله ومن العلم بالله، يشمل الأدب مع الله عز وجل ومع رسوله الكريم ومع الخلق كافة.
يتعين على السالكين إلى مقامات الإحسان وفيها يقظة خاصة حتى يؤدوا مراسيم العبودية مما فرضهُ الله عز وجل وندب إليه ونهى عنه وكرهه بالدقة التي يحرسها الورع، ويُجَلِّلها في القلوب الحضور الدائم مع الله عز وجل، ويوفِّيها هضم حق النفس الزائغة الطاغية بطبعها وهواها ليُصان حقُّ الله وحق عباد الله.
الأدب إحسان يلُفُّ سلوك السائر إلى الله عز وجل، المتقرب إليه سبحانه بالفرض والنفل، وبالنية الصادقة الواثقة في أن يُوَفِّيَ له الله تبارك اسمه ما وعد. يكتنف الأدبُ أقوال المريد الصادق الواثق وأفعالَه وأخلاقَه وخلجات قلبه في علاقته بالمصحوب الذي يدله على الله، وعلاقته بالجماعة المرافقة له في الطريق، وعلاقته بالله عز وجل في الصلاة والذكرِ وسائر العبادات. منبع هذا الأدب القلب ورقيق معاملته وصادق تحبُّبِه ومجاملته. فإن كان في القلب بقايا من جفاء وجفوة، أو سطا عدوان النفس الهَلوعة المنوعة على فَيْضات القلب فكدَّر منها الصفو وأزعج منها الانبعاثَ، فيرد هذا السالك إلى سياسة نفسه في صفوف العوام لِسوء أدبه.
العبد السالك بين طاعة ونعمة توجبان الشكر، وبين قضاء وقدر يلزم معهما الصبر، وبين معصية وتقصير وغَفلة طارئة يفر منها إلى الله العزيز الغفور بالتوبة المجددة والاستغفار. فهو في كل حالاته متنقل لا يستقر من شعور لشعور، ومن حركة لحركة، ومن لفظ لسان إلى خَفْق جنان. كل هذا في عبادة لا تنقطع، يرجع دائما من الله إلى الله، شأن الذاكر الدائم على صلاته، المحافظ على دقائق أوقاته.
وقد تكلم المشايخ في الأدب كلاما يعود في جملته إلى قهر النفس والمعاملة القلبية مع الله عز وجل. قال سعيد بن المسيَّب التابعي الجليل: "من لم يعرف ما لله تعالى عليه في نفسه، ولم يتأدّبْ بأمره ونهيه، كان من الأدب في عزلة". وقال عبد الله بن المبارك: "نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم". وقال أيضا: "الأدب للعارف كالتوبة للمُستأنِف".
وقال عالم الصوفية الشيخ سهل بن عبد الله التستُري: "من قهر نفسه بالأدب فهو يعبُد الله تعالى بالإخلاص". وقال: "استعانوا بالله على أمر الله فصبروا على أدب الله تعالى".
وقال ابن عطاء: "الأدب الوقوف معَ المستحسنات". قيل له: وما معناه؟ قال: "أن تعامل الله تعالى بالأدب سرا وعلنا. فإذا كنت كذلك كنت أديبا وإن كنت أعجميّاً".
وقال أبو علي الدقاق: "ترْكُ الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رُدَّ إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب".
وذكر أبو نصر الطوسي السَّرّاج أدب الناس فقسمهم ثلاث طبقات: أهل الدنيا، وأهل الدين، وأهل الخصوصية. قال: "فأما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك. وأما أهل الدين فإن أكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح، وطهارة الأسرار وحفظ الحدود، وترك الشهوات، واجتناب الشبهات، وتجريد الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات".
قال: "وأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواطن الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب".
قلت: وكلما ارتقى العبد في سلم المعرفة بالله عز وجل كانت تكاليف الأدب وضبط النفس عليه أدقَّ وأرقَّ. وقد قال يحيى بن معاذ. "إذا ترك العارف أدبَه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين". ولخَّص الموقف النفسيَّ القلبيَّ للسالك خير تلخيص شيخ الإسلام ابن القيم فقال عن حالة الفتح وأخطار سوء الأدب فيه: "مواهب الرب تبارك وتعالى تنزل على القلب والروح، والنفس تسترق السمع. فإذا نزلت على القلب تلك المواهب، وَثَبَتْ لتأخذ قسطها منها، وتُصَيِّرَه من عُدَّتها وحواصلها. فالمسترسلُ معها، الجاهل بها، يَدَعُها تستوفي ذلك.
قال: "فبينا هو في موهبة القلب والروح وعُدة وقوة له، إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها وعُدَدِها. فصالت به وطغت، لأنها رأت غناها به. والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال، فكيف بما هو أعظمُ خطرا وأجـل قدراً من المال بما لا نسبة بينهما من علم أو حال أو معرفة أو كشف. فإذا صار ذلك من حاصلها انحرف العبـد به -ولا بد- إلى طرَفٍ مذموم من جُرْأة أو إِدْلاَلٍ ونحو ذلك".
قال: "فوالله كم ههنا من قتيل وسليب وجريح يقول: من أين أُتيتُ؟ ومن أين دُهيتُ؟ ومن أين أصِبْتُ؟ وأقلّ ما يعاقب به من الحرمان بذلك أن يُغلق عنه باب المزيد.
قال: "ولهذا كان أرباب البصائر إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طَرَفِ الذُّلِّ والانكسار ومطالعة عيوب النفس، واستدعوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرباط بملازمة الثغْر بين القلب وبين النفس، ونظروا إلى أقرب الخلق من الله عز وجل وأكرمِهم عليه وأدْناهم منه وسيلةً وأعظمهم عنده جاها، وقد دخل إلى مكة يوم الفتح وذقَنُه تمس قربُوسَ سَرْجه انخفاضاً وانكسارا، وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال التي عادة النفس البشرية فيها أن يملِكهَا سرورُها، وفرحها بالنصر والظفر والتأييد، ويرفعها إلى عنان السماء.
قال: "فالرجل من صان فتحه ونصيبه من الله، وواراه عن استراق نفسه، وبخل عليها به. والعاجز من جاد لها به. فياله من جود ما أقبحه، وسماحة ما أسفه صاحبها. والله المستعان"[2].
قلت: لوجود علة النفس الميَّالة للفرح بزينة الدنيا وللطغيان إذا استغنت خاف المشايخ المربون على السالك أن توقفه عن السير وتزيغه عن القصد بوادر الفتح إن فاجأته قبل أن تزكُوَ نفسه وترتفع عن المطالب الدنيا. وكل ما سوى وجه الله عز وجل دون، ولو كان من علوم الغيب والكشف والكرامة. قال المشايخ رضي الله عنهم "من سبق فتحه جهاده لنفسه لا يأتي منه رجل".
وقال الإمام عبد القادر رضي الله عنه: "يا قومُ. دعوا عنكم الهوسات والأمانيَّ الباطلة.(...) اِخرَسْ أنت. فإن أراد الله عز وجل منك النطق فهو ينطقك. إذا أرادك لأمر هيأك له. صحبتُه (سبحانه والأدب معه) خرسٌ كليٌّ. فإذا تم الخرس يجيء النطق منه إن شاء أو يديم ذلك إلى حينِ الاتصال بالآخرة.
"وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عرف الله كلَّ لسانُه". يَكِلّ لسان ظاهره وباطنه عن الاعتراض عليه في شيء من الأشياء. يصير موافَقَةً بلا منازعة. يُعْمِي عينيْ قلبه عن النظر إلى غيره. يتمزق سرُّه، ويتلاشى أمرُه، ويتفرق ماله، ويخرج من وجوده، ويخرج من دنياه وآخرته. يذهب اسمُه ورسمُه. )ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ( (سورة عبس، الآية: 22).
"يوجِدُه بعد الفقد، يعيده خلقا آخر، يفنيه بيد الفناء، ثم يعيده بيد البقاء ليطلب اللقاء. ثم يعيده ليدعوَ الخلق من الفقر إلى الغنى. الغنى هو الغنى بالله عز وجل والاتصال به. والفقر هو البعد عن الله عز وجل والاستغناء بغيره. الغَنِيُّ من ظفر قلبه بقرب ربه عز وجل، والفقير من عدِمَ ذلك"[3].
قال حائر في سيره، مدهوش لما رأى من أمره:
إن كنتُ أدْرِي من أين آتي وأيـن مـن حَـيْــرَةٍ أمُــرُّ
فأنت يا مـركـبي حبـيـسٌ ويا غـلامـي فـأنـت حُــرّ

وقال هائم في بحار الأنوار:
تعَـرَّضْ نَسِيمـا هَـبَّ من أَرضِ نُـعـمـان لِـيـحـيَـى به ما مات من قلب هَـيْـمَـانِ
وقف عن يمين الروح من جانب الحِمَى وقـوف ذليـل هـائـم القـلـب حَـيْـرَان
ونـاد: سـلام اللـه يـا بـانـة الحِـمَـى عليـك ومـن لي بالسـلام عـلى الـبـان!
وقـل إن رآك الواشِـيَــان مُــدَلَّـهـا ضَـلَلْـتُ على النـهـج القـويـم فـدُلاَّنـي
فـإن شـئـتـمـا قـتـلا فهـا أنـا صـابـرٌ وإن شـئـتـمـا أسْـرا لـديـكـم فـشُـدّاني
لـعـلـهــمُ أن يـسـمـعــوا لك أَنَّـةً فـنـادِهـمُ: صفـحَ الكـرام عـن الجـاني

وقال طيَّار على رفرف العناية ما عرف الخلقُ مَسْرَاهُ:
تَسـتـرتُ عن دهـري بِظلِّ جناحه فـطـرفي يرَى دهـري وليس يـراني
فلو تسألُ الأيامَ ما اسْمِـيَ ما دَرَتْ وأيـنَ مكـاني؟ مـا عـرفـن مكـاني

وقلت:
كَـبِّــرِ اللّه واعْــزِم واقتَحمْها لا تُحجِم
ومَـعَ اللّه فـاتَّـخِــذْ عَهْـدَ عَبـدٍ مُسَلِّــم
وتـأدَّبْ بشـرعِــه وتـوكَّــل وأقْــدِم




[1] مدارج السالكين ج 2 ص 383.
[2] مدارج السالكين ج 2 ص 394.
[3] الفتح الرباني ص 172.

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2011   #6
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

5.سلوك الإمام الغزالي
بسم الله الرحمن الرحيم. )واستعينوا بالصبر والصلاة. وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون(. اللهم اجعل لي نورا في قلبي، ونورا في قبري، ونورا بين يدي، ونورا من خلفي، ونورا عن يميني ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي ونورا من تحتي، ونورا في سمعي، ونورا في بصري، ونورا في شعري، ونورا في بشري، ونورا في لَحمي، ونورا في دمي، ونورا في عظامي، اللهم أعظِم لي نورا، وأعطني نورا، واجعل لي نورا.
سبق الغزاليَّ في مضمار السلوك أجيالٌ من الزهاد والصوفية في البصرة والكوفة والعراق وجبال لبنان، وكتب في "علوم الآخرة" قبله أمثال الحارث المحاسبي والحكيم الترمذي وخصوصا أبو طالب المكي. وسبقه إلى طرح الدنيا والإقبال على الله عز وجل أمثالُ إبراهيم بن أدهم الذي كان من أبناء الملوك فتزهد وتصوف وسلك طريق القوم حتى أصبح من المشار إليهم بينهم.
لكن امتازَ أبو حامد بأنه أول فقيه شهير طرح شهرته ودنياه الواسعة ودخل في صف القوم حتى تعلم علمهم، وهو الفارس المغوار الشديد الصولة، ثم خرج على الناس بفقه السلوك مقَعَّدا مرتبا. فَكان لكتاباته، ولا يزال، الأثر البالغ في تعليم الأجيال من بعده. خاصة لكتابه "الإحياء" الذي قيل عنه: "من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء". واختلف بعض الناس في تقويم الإحياء، فأحرقه علماء المغرب بعد وصوله. ورد عليهم ابن السبكي بعد نحو قرن ونصف بعد أن رحب بعودة المغاربة إلى تبجيل كتب الغزالي فقال: "وأين نحن ومن فوقنا وفوقهم من فهم كلام الغزالي أو الوقوف على مرتبته في العلم والدين والتأله![1]. وقال: "لا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي ولا مقدار علم الغزالي، إذ لم يجئ بعده مثله. ثم إن المُدَانِيَ له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده، لا بقدر الغزالي في نفسه"[2].
ثم برز لمحاربة فكر الغزالي على مستوى عال من المبارزة شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان جل ما أخذ عليه ورَدَّ مدسوسات دسها عليه الأعداء والحساد كما شكا الغزالي ذلك في إحدى رسائله فقال: "هاج حسد الحساد، ولم يجدوا أيَّ طعن مقبول غير أنهم لَبَّسوا الحق بالباطل وغيروا كلمات من كتاب "المنقذ من الضلال" وكتاب "مشكاة الأنوار"، وأدخلوا فيها كتاب كفر"[3].
كان الغزالي قبل خروجه في طلب شيخ يُسَلِّكه عالم خراسان والعراق. وكان له في بغدادَ صولة وجاه عظيمان. قال معاصره العارف به عبد الغافر الفارسي: "وعلت حِشْمَتُه (ثروته وأبهته ومكانته الاجتماعية) ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمته الأكابر والأمراء ودار الخلافة"[4]. ثم زهد في ذلك كله. قال: "وسلك طريق الزهد والمِثَالَة، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة للاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة. فخرج عما كان فيه".
هذه الهجرة من الدنيا ورئاستها في طلب الله عز وجل هي بداية طريق كل صادق، يَجْفُل مما هو فيه ويَعَافُه وتستولي عليه فكرة الطلب. نقرأ هذه الخطوة في سلوك الغزالي العملي قبل أن نقرأها في مكتوباته. سَمِّها يقظة وإرادة.
الخطوة الثانية الضرورية هي طلب الدليل على الله عز وجل الولي المرشد. وقد خطاها الغزالي بنفسه قبل أن يكتبها. قال عبد الغافر: "وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشَّمائل(...) والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشُمُّ منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة".
تلا هذا الاختلاط بالصالحين، وقد تَزَيَّا بزِيِّهم الخشن بعد لباس "الحشمة" وجَهَازِها، البحْثُ عن رجل يَقتدي به ويُسَلِّكه، حتى لقي الشيخ الفارمدي. قال عبد الغافر: "فابتدأ بصحبة الفارمدي وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه". والفارمدي تلميذ من تلامذة الأستاذ القُشيري الشيخ الجليل.
إن امتثال حجة الإسلام لشيخ الطريقة وبحثه عنه قبل ذلك هو في حد ذاته أكبر درس عمليٍّ لطلاب السلوك. فالصحبة هي نقطة البداية وشرط الاستفتاح. هي المفتاح وكفى. وهذا ما يؤكده أبو حامد رحمه الله في كتاباته بعد أن عاشه وسجله تاريخُهُ الحافل.
يحدد حجة الإسلام للشيخ المصحوب وظيفتين، ويشترط في أهليته شرطا أساسيا. الشرط الأساسي هو أن يكون الشيخ قد تعلم بالصحبة من شيخ أخذ عن شيخ صحب من صحب... إلى أن ينتهي السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا شرط جوهري ينفيه ويتجاهله ويرفضه من لا يدري ولا يحِب أن يعترف بأنه لا يدري، ففاته نصف العلم، بل فاته العلم كله، والخير كله.
وهذا شرط يتبناه النصَّابون والدخلاء فينتسبون إلى سلسلة من سلاسل المشايخ تمريرا لبضاعتهم المزَوّرة. والمؤونة في هذا الانتساب يَسيرة، إذ ليس ثمة رواية تُنْتَقد ولا علم تجريح وتعديل وتاريخ كما هو الشأن في سند الحديث.
ثم إن من أهل النِّسْبَة الحقيقيين من يصحب عارفا وأصلا موصول السند، لكنه في نفسه يقصر عن مرتبة المشيخة التربوية. ولا يعرف كثير من الناس كيف يُمَيِّزُون بين الشيخ المربي الذي هو بغية الطالبين وكنز الأسرار وبين شيخ التبرك الذي جلس على السجادة بعد وفاة شيخه. وقد يكون هذا صاحب كشف وكرامات ويكون ذاك لا يظهر عليه شيء من ذلك، فينحاز الناس إلى المظهر وتروج الإجازات المكتوبة شيخا عن شيخ، والإذن الشفوي. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لم يترك الغزالي سلسلة من المشايخ ترثه مثلما ترك المشايخ عبد القادر والرفاعي والشاذلي وغيرهم رضي الله عنهم. وإنما مدرسته وطريقته كتبه. ومن أجلة العلماء، كانوا ولا يزالون، من يعتقد أن التصوف السني يتلخص وينحصر في ترقيق القلوب بقراءة الكتب الجليلة مثل الإحياء. وهذا ما يُعارض وصية الإمام الغزالي وعمله، حين بحث عن شيخ، وحين امتثل، وحين صحب، وحين تأكدت لديه ضرورة الصحبة فكتب يقول: "شرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عالما(...). وكان قد تابع لشخص بصيرٍ تتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم"[5].
قال: "متابعة شخص". لم يقل: "متابعة كتاب". بعد هذا الشرط الأساسي في الشيخ المصحوب، وهو أن يكون "شخصا" تابع شخصا في تسلسل موصول، نَعْرِض للوظيفتين اللتين حددهما حجة الإسلام لشيخ التربية تُجَاهَ مريده.
أولهما أن يُعَرِّفَه بنفسه ومعايبها. وهذا مقدمة ضرورية لتطبيب الأمراض القلبية. قال رحمه الله: "يجلس (المريد) بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطَّلِع على خفايا الآفات. ويُحَكِّمه في نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدته. وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه. فَيُعَرِّفه شيخه وأستاذه عيوب نفسه، ويعرفه طريق علاجها. وهذا قد عزَّ في هذا الزمان وجوده"[6].
قلت: وهو في كل زمان عزيز، والكتب موجودة، والذاكرون المتبركون بالنسبة وفرة. والمفتاح يضعه الله عز وجل في يد من شاء. فقم من الليل وصل لربك وتضرع إليه: "يا رب من أصحب" كما أوصاك الناصح عبد القادر يأتِك رزقك.
الوظيفة الثانية للشيخ كما يراها حجة الإسلام رضي الله عنه هي وظيفة الدليل الخفير في عقبات الطريق ووُعورَتها، يحفظ السالك من صولة لصوص الطريق، ويُجِيزُه على أهوالها، كما يُطبِّب أمراضه النفسية، ويصفي رَيْنَهُ القلبِيَّ.
قال رحمه الله: "المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهدِيه إلى سواء السبيل. فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة. فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة. فمن سلك سُبَل البوادي المُهْلِكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها.(...) فمُعتصَم المريد بعد الشروط المذكورة شيخُه. فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد بحيث يفوض أمره إليه بالكلية. ولا يخالفه في وِرْده ولا صَدَرِهِ ولا يُبْقِي في متابعته شيئا ولا يَذَر. وليعلم أن نفعه في خطإ شيخه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب. فإذا وجد مثل هذا المُعْتَصَم وجب على معتَصَمِه أن يَعْصِمَهُ ويحميَه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق"[7].
قال مستعصم بودادهم لا يسمع مقالة لائم عَذولٍ:
لا العَـذْل ينـفـعـه ولا استِـعْـبَـاره لَــذَّ الـغــرامُ لــه ولَــجَّ أُوَارُه
فـتجـنـبـوا تَـأنِـيـبَـه وتعـوّذوا مـن مثـل ما هُـتِـكَـتْ به أسـتـارُه
لـو كـان فـيـه للـغَـرامِ بَـِقـيَّــة أو لِلـتحـمُّــل ما بَـدت أســرارُه
فحضـوره غَيْبٌ على حكم الهَوَى فيما يُحِـبُّ وهكـذا اسـتـحـضـاره

وقال محب لهم، تابع مطاوع مشتاق:
قـطـعـت الأرض ذا سَيْرٍ حثيث كـلَـمْـعِ الـبـرق حبّـاً في التـلاقي
فـقـال ليَ العـذول، وقـد رآنـي سـبـوقـا بالمُـضَـمَّــرَةِ العِـتـاق
ركبـتَ على البراق؟ فقلت كل! اولكـني ركـبـت على اشـتـيـاقي

وقال ناصح باللجوء إلى طبهم، والوقوف ببابهم:
ما تقـبلـون لواعـظ نصحـا وهو الطبيب وأنتم الجرحى
يا راقـداً في ليـل غـفـلـتـه والشيْبُ قد أبدى له صُبحا
يا خاسـرا في بيـع صفقـتـه ضيعت رأس المـال والربحـا
إن أبعـدوك فَـقِـفْ ببـابهمُ مـتـضـرعا وسلهـم الصفْـحا

وقلت:
هَلْ مِن مَــلاذٍ عِـندكُــم لِمُطَــوَّحٍ هَجرَ الألِيفَ وهَامَ في التَّطـوَافِ؟
مِن خَلفِ أسْوار الغَوايَة جَـاءكم مِن كهـفِ غَفلتِـه، من الأحــلافِ
يَرجو يُصـافِحُ كَفَّ شمس هِـدايةٍ بَزغـتْ بأُفقِـكُـمُ علـى الأشـرافِ

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2011   #7
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

6.سلوك الإمام عبد القادر
بسم الله الرحمن الرحيم. )الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون(. سبحان الذي تعطَّف بالعز وقال به. سبحان الذي لَبِس المجد وتكرم به. سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له. سبحان ذي الفضل والنعم. سبحان ذي المجد والكرم. سبحان ذي الجلال والإكرام.
أخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر. وإن من الناس مفاتيحَ للشر مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه. وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه". الحديث ضعَّف سنده الحافظ الهيثمي، ومعناه صحيح لا سيما في موضوع الصحبة. وأئمة الحديث على أن الحديث الضعيف يستشهد به في فضائل الأعمال.
شاهِدُنا في الحديث أن الشيخ عبد القادر الذي لم يختلف عليه علماء الأمة من كل المذاهب والفنون والعصور وأجمع الكل على ولايته كان كغيره من أئمة الهدى مفتاحا للخير. وقد نقلنا كثيرا من كلامه الفريد في أسلوبه، وننقل هنا نبذة من بيانه لمبادئ السلوك يُعطي فيها الأهمية القصوى للصحبة، كما يعطيها الكمَّلُ الناصحون من الأولياء. وسبحان الله كيف أخذ المحدثون الحنابلة عن الإمام عبد القادر كل شيء إلا مسألة الصحبة التي لا يكادون يعيرونها اهتماما، ففاتهم الاستفتاح بالصحبة الشخصية، وفاتهم بفواتها البداية الصحيحة.
يتحدث الشيخ عبد القادر عن اليقظة القلبية التي هي الخطوة الأولى نحو الطريق، أي نحو الشيخ المربي، فيقول: "الذي يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس. فيكون على عقيدة السلف الصالح، أهل السنة القديمة سنَّة النبيئين والمرسلين والصحابة والتابعين والأولياء والصديقين.
قال: "فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما أمرا ونهيا، أصلا وفرعا. فيجعلهما جناحَيْه يطير بهما في الطريق الواصل إلى الله عز وجل. ثم الصدقُ، ثم الاجتهاد، حتى يجد الهداية إليه والدليل، وقائدا يقوده، ثم مؤنسا يؤنسه، ومُستَراحا (يقول الغزالي: معتصَما) يستريح إليه في حالة إعيائه ونَصبه وظُلْمته عند ثوران شهواته ولذاته، وهَنَاتِ نفسه، وهواه المُضل، وطبعه المجبول على التَثَبُّط والتوقُّف عن السير في الطريق"[1].
قلت: بعد صدق العقيدة، والطريقُ إلى الله لا يدخلها إلا من كمل صدقُه، وصدقِ الاتِّباع، وصدقِ الطاعة لله ورسوله، وصدقِ الاجتهاد وهو صدق الطلب، يتعين على السالك أن يجد "دليلا" يكون في نفس الوقت قائدا ومؤنسا وملجأ يثق به السائر ويستريح إلى هديه ونصيحته وتوجيهه ليحميه من غوائل نفسه وميولها، ويعالج هَناتِها، ويقوِّم اعوجاجها مع الهوى، ويجدِّد إرادة السالك إن فَتَرَتْ، ويرفعَ همَّته إن خَمدت. نجد عند الشيخ عبد القادر نفس الاهتمام بتعريف النفس وتطبيب القلب والخفارة من أهوال الطريق، وهي الوظائف التي قرأناها عند حجة الإسلام.
ثم يبين الإمام عبد القادر أهمية صدق الطلب والصبر الطويل في الطريق، وذلك مما يؤكد أهمية الصحبة والرفقة والخفارة. قال رحمه الله: "ثم يجب عليه أن يُخْلِص مع الله عز وجل عهدا بأن لا يرفع قدما في طريقه إليه ولا يضعها إلا بالله ما لم يصل إلى الله. فلا ينصرفُ عن قصده بمَلامَة مُلِيمٍ لأن الصادقَ لا يرجع، ولا بوجود كرامة، فلا يقفُ معها ويرضى بها عن الله عزوجل عوضا"[2].
قلت: هذا الإخلاصُ في السير يُحَرِّرُه بعض المشايخ بالعهد والبيعة يأخذانهما على المريد ويُقيِّدانه بهما. وبعض المشايخ لا يفعلون ذلك لئلا يُصبح العهد المأخوذ على ضعفاء الإرادة، يعاهدون اليوم وينْقُضون غدا، هُزُؤا ولَعِبا. ومسألة أخذ العهد تعطيها بعضُ المدارس الصوفية صِبغةً احتفالية لها طقوسها. تجد هذا غالبا عند شيوخ التبرك الذين لم يبق لديهم من السلوك إلا الذكريات والشكليات. أما المشايخ المربون فحالهم تنهض بالصاحب الصادق، قلوبهم مغناطيس جلاب جذاب.
على أن المشايخ مجمعون على ضرورة فطام المريد عن رفقة السوء، وهي عدوَّة الصحبة في الله الأولى. قال الإمام عبد القادر: "ولا يُخالط (المريد) المقصِّرين والبَطَّالين أبناء قيلَ وقال، أعداءَ التكاليف، المدعين للإسلام والإيمان"[3].
وقلت: ومن المقصرين والبطالين الذين ترجع صحبتهم بالتثبيط والإفشال المتكلمون بغير علم ولا تثبُّت في الولاية، المشككون في طريقها. وإنَّ سُمَّ التشكيك، يمتصه طالب الطريق قبل أن تتمكن قدماه على الجادة، أفتك من كل آفة تتربص بالمريد في بدايته.
لهذا لم يأْلُ المشايخ العظام نُصحاً بالثبات مع الشيخ المربي إن عثر عليه، وهو البُغيَة النادرة العزيزة. قال الإمام عبد القادر: "فالواجب عليه تركُ مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن. فصاحبُ العصيان بظاهره تارك لأدبه، وصاحب الاعتراض بباطنه متعرض لعطبه.
قال: "بل يكون خصما على نفسه لشيخه أبدا. يكف نفسه ويزجُرُها عن مخالفته ظاهرا وباطنا، ويكثر قراءة قول الله عز وجل: ) رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًَ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( (سورة الحشر، الآية: 10).
وزيادة في التثبت والتريُّث يوصي الإمام المريدَ بالتحري قبل أن يتَّهم شيخه. قال: "وإذا ظهر له من الشيخ ما يُكرَه في الشرع، استخبر عن ذلك بضرب المثل والإشارة، ولا يصرح به لئلا يَنْفِرَ به عليه. وإن رأَى فيه عيباً ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع. فإن لم يجدْ له عذرا في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية"[4].
قلت: إن صحبة الناقص الدخيل في الطريق المتطفِّلِ المحتَرف وَبَالٌ من أصلها. لكنَّ السَّالكَ لا يميز بين الكامل والناقص، وقد تبهَره من الناقص كرامة أو كشف فيتخذه قدوة، ويتجنب الكاملَ الصامت. لهذا يوصي المشايخ العظام بالصبر مع المصحوب المتبوع ولو ظهرت فيه عيوب، فلا يغتَّر المريد بناموس من يظهر الكمالَ تَصَنُّعا، ولا يتعلق بمثاليةٍ تصوِّر له الوليَّ على صورة ملك كريم. فإن "قبة البشرية" مضروبة على الولي الكامل كما هي مضروبة على غيره، ولا تنبغي العصمة إلا للنبيئين والمرسلين.
قال الإمام: "ولا يعتقدُ فيه العصمة. ولا يخبر أحدا به"[5].
وشرح رحمه الله كيف يترقَّى الأولياء من درجة لدرجة، ومن حال إلى حال، ومن ولاية إلى ولاية. فَرُبَّ عيب اطلع عليه المريد من شيْخه أمسِ لم يكن إلا عن غفلة أو حدَثٍ أو ترَخُّصٍ شرعي ترقّى عنها الشيخ اليوم.
ومن وصايا الإمام للمريد بالصبر على بشرية الشيخ وخشونته قوله: "وإذا غضب الشيخ وعبس في وجهه أو ظهر منه نوع إعراض عنه لم ينقطع عنه، بل يُفتِّش باطنَه وما جرى منه من سوء أدب في حق الشيخ، أو التفريط فيما يعود إلى أمر الله عز وجل من ترك امتثال الأمر وارتكاب النهي. فليستغفر ربه عز وجل، وليتُبْ إليه، وليعزمْ على ترك المعاودة إليه. ثم يعتذِرُ إلى الشيخ ويتذَلَّلُ له ويتملَّقُه ويتحبَّب إليه بترك المخالفة في المستقبل، ويداوم على الموافقة له، ويواظب عليها"[6].
وبعد هذا يأتي الإمام عبد القادر بكلام لا يستسيغه عقلُ من لا يفهم مقاصد القوم. ويرفضه، خاصةً من كان شبَحُ الكفر والشرك هاجسَ يقظته ومنامه، يتصورهما في كل من خالف رأيه.
قال رحمه الله: "فيجعله وسيلةً وواسطة بينه وبين ربه عز وجل، وطريقا وسببا يتوصل به إليه.كمن يريد الدخول على ملك ولا معرفة له به، فإنه لا بد أن يصادق حاجبا من حجابه، أو واحدا من حواشيه وخواصه، ليبصِّره بسياسة الملك ودَأبه وعادته، ويتعلم الأدب بين يديه والمخاطبة له، وما يصلُح له من الهدايا والطرائف مما ليس مثلُها في خزانته. ومما يُؤْثِرُ الاستكثار منه"[7].
قلت: هذا ضرب مثل، ولله المثل الأعلى، لأصحاب الحس الكثيف والعقل السخيف ليتعلموا أن المقصود ليس اتخاذ الشيخ صنما كما يعبد المشركون أصنامهم ليقربوهم إلى الله زلفى في زعمهم الضال. لكن المقصود التأدُّب بأدب الشيخ مع الله عز وجل، والاقتداء به في آداب القلب كما نقتدي بالإمام في حركات الصلاة. وما قال أحد إن إمام الصلاة، وهو واسطة وضعها الشرع، صنمٌ حائل بيننا وبين القبلة. الشيخ قِبلة قلبية، ولا حاجة بنا إلى مثال حسيٍّ، ولا نجيد ضرب الأمثال كما يجيد الإمام رحمه الله.
قال: "فليات البيت من بابه. ولا يتَسَلَّقْ من ورائه من غير بابه، فيلامَ ويُهانَ، ولا يبلغَ الغرض من الملك ولا المقصود منه. ولكل داخل دهشةٌ لا بد من تذكُّر ومِنَّةٍ، ومن يأخذ بيده فيقعده موضع مِثْلِه، أو يشيرُ إليه بذلك لئلا تتطرق إليه المهانة، ولا يشار إليه بسوء الأدب والحماقة"[8].
قال مطيع لربه عز وجل، نذر عمْرَه للقرب منه:
إذا كنـت أعلم علمـا يقـينا بأن جميـع حياتي كسـاعَهْ
فـلِـمْ لا أكـون ضنيـنا بهـا وأجعلها في صلاح وطـاعه؟

وقال حكيم يعظ طويل اللسان قاصر الجنان:
يا خـاطـرا بالقـبـور منطـلـق لسـانه، قـف وقـوف مُـعْـتَـبـر
وسـلْ عن أحبـابك الذين ثَـوَوْا فيهـا تجاوبك ألـسـن الـعـبـر
ألم تـكـن تُـرْبـةٌ تُـبَـاشـرهـا نعـلاك مـعـدودة مـن البـشـر؟
بالأمـس كـنـا على مـنـاكـبهـا نـرفـل بـين المُـلاَءِ والحِـبَــر
واليـوم صـرنـا ببطـنهـا رممـا نـدرس بـين الصفـيح والعَـفَـر
أفٍّ لـدنـيـا مَـآلُ صـحـتـهـا وصفــوهـا للسَّـقـام والكــدر
أُخَـيَّ لا تـغـتَـرِرْ بزهـرتـهـا إن كمـونَ الحـيّات في الزهـر
فالخطب فوق الذي سمعت به وفـوقـه فـلـتـكـن عـلى حـذر
عند ورود الحمام ينكشـف الـ ـغِـطـاء، ليس العيان كالخـبر

وقلت:
يا عـابِـراً بِـديــار الـعُـمــر تَـقطَـعـهــا تَـعــدُو وتـلـهــجُ باللَّــذاتِ والصُّــورِ
هَـلاَّ اعتـبرتَ برحــلاَتٍ لمن سَبـقــوا أودَتْ بحشـدٍ غَفيــرٍ في هُـوى الحُفــرِ
هـلاَّ جعلتَ خطى الطَّاعـاتِ مَنْهجة إلى رِضى اللّه، يا مَغــرورُ، في السَّفــرِ




[1] الغنية ج 2 ص 163.
[2] الغنية ج 2 ص 163.
[3] المصدر السابق نفس الصفحة.
[4] الغنية ج 2 ص 164.
[5] المصدر السابق ص 163.
[6] الغنية ج 2 ص 163.
[7] المصدر السابق نفس الصفحة.
[8] المصدر السابق نفس الصفحة.
7.سلوك الإمام الرفاعي
بسم الله الرحمن الرحيم. )أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين(. اللهم اجعلني شكورا، واجعلني صبورا، واجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين الناس كبيرا.
قال الإمام أحمد بن جلال اللاري المصري في كتابه: "جلاء الصدإ": "كان السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه يسكت حتى يقال: إنه لا يتكلم. فإذا تكلم بَلَّ بعذوبة كلامه الغليل، وداوى العليل. ترك نفسه وتواضع للناس، من غير حاجة. وكظم غيظَهُ من غير ضجر. وكان ليِّن العريكة، هيِّن المؤنة، سهلَ الخلق، كريم النفس، حسن المعاشرة، بسّاما من غير ضحك، محزونا من غير عبوس، متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير إسراف. اجتمعت فيه مكارم الأخلاق.
"كان فقيها عالما مقرئا مجودا محدثا مفسرا. وله إجازات وروايات عاليات. إذا تكلم أجاد، وإذا سكت أفاد. يأمر بالمعروف لأهله، وينهى عن المنكر وفعله. كان كهف الحَرائِرِ، وملجأ المحتاجين، وكعبة القاصدين. أبا للأرامل والأيتام، يعطي من غير سؤال، ويمنح من غير إهمال. وإذا قال قولا أتبعه بصحة الفعل، وصدقِ القول، ولم يخالف قوله فعله قط"[1].
كان يغلب عليه خُلُق التواضع وهو العالم الجليل، الشيخ المحترم. وكان يعالج المرضى والعُرجان والعميان بنفسه. قال رحمه الله: "سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الافتقار والذل والانكسار. فقيل له: يا سيدي! فكيف يكون (هذا الطريق)؟ قال: تُعظِّم أمر الله وتُشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة سيدك رسول الله"[2].
كان الافتقار الذي اتخذه رضي الله عنه طريقا هو الافتقار إلى الله عز وجل. وقد انتسب إلى طريقته من بعده طائفة جعلوا افتقارهم أكل الحيات والنزول في النار والدخول إلى الفَرَّان وركوب السباع. وهذا تزييف. وطائفة أخرى من تلامذة طريقته لا يزالون على مذهبه القويم.
كان ذله وانكساره لله عز وجل لا لغيره، وكان تواضعه ذلَّة على المومنين ورحمة للخلق المستضعفين. أما كُبَراءُ الدنيا من الظلمة فكان لا يقيم لهم وزنا. قال صاحب الشذرات: "كان لا يقوم لأحد من أبناء الدنيا، ويقول: النظر في وجوههم يقسي القلب"[3].
وصف الإمام أحمد الرفاعي طريق السلوك ومثَّل لها فقال: "أيْ سادةُ! الطريق إلى الله كطريق الرجل إلى البلدة الأخرى. فيه الصعود والهبوط، والاعتدال والاعوجاج، والسهل والجبل. فيه الأرض القفراء التي خلت من الماء والسكان، والأرض النضِرة الخضِرة الكثيرة المياه والأشجار والسكان. والبلدة المقصودة وراء ذلك كله.
"فمن انقطع بلذَّة الصعود، أو بذِلَّة الهبوط، أو براحة الاعتدال، أو بتعب الاعوجاج، أو بيُسْر السهل، أو بعُسْر الجبل، أو بغُصَّة الفقر ولوعة العطش، أو بحلاوة النضارة والخُضْرة والمياه والأشجار والأنس بالسكان، بقي دون المقصود.
"ومن لم يشتغل بكل ذلك، حاملا شدة الطريق، معرضا عن لذائذه، وصل إلى المقصود.
"وكذلك سالك طريق الله، إِنْ صرفته صعوبة الأحوال عن محول الأحوال، وقلبته سكرة إقبال الخلق عن مقلب القلوب، فقد فاته الغرض، وبقي دون مقصوده، وانقطع بلا ريب. وإن ترك عقبات الطريق وراء ظهره فقد فاز فوزا عظيما"[4].
قلت: إن من لم يصحِّحْ الإرادة، ويحرِّرْ القصد، أو دخل الطريق دون خفير ودليل، ولم يستفتح بشخص، وتسلق من وراء الأسوار، يوشك أن تتخطَّفَهُ مهلكات القواطع من ظلمات ونور. وقد يقف عند أول بارقة تبرق له، أو خارقة تظهر، فيظن أنه وصل، وهو لما يضع قدمه على الطريق.
لذا ولغيره كان الصبر مع الأستاذ شرطا لا يتخَطاهُ إلا جاهل به أو متهورٌ متكبر يأتي البيوت من غير أبوابها، فحقيق به أن يطرد، أو يترك سائما في بعض غَيْضاتِ الطريق ووهادها، وأوديتها وقِفارها.
ويؤكد الشيخ أحمد الرفاعي الشرط الأساسيَّ في المربي المصحوب كما أكده الغزالي وكما يؤكده كل العارفين الواصلين. ألا وهو شرط تسلسل السند الواصل إلى حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: "صَحَّتْ أسانيد الأولياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. تلقَّن منه أصحابه كلمة التوحيد جماعة وفُرادَى واتصلت بهم سلاسِلُ القوم"[5].
ويأتي الشيخ رضي الله عنه بحديث شداد بن أوس الذي يحكي كيف لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابهُ كلمة التوحيد. وقد أوردناه في الفصل الثاني من هذا الكتاب من رواية الإمام أحمد في مسنده. كما يأتي بحديث تلقين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكر للإمام علي. وهو حديث أجمع الصوفية على صحته، وأنكره بعض المحدثين وإن كان بعضهم يصححه.
ثم يقول رحمه الله: "وعلى هذا تسلسل أمر القوم وصح توحيدهم. وتجردوا عن الأغيار بالكلية، وأسقطوا وَهْمَ التأثير من الآثار، ورَدّوها بيد اعتقادهم الخالص إلى المُؤثِّر وقاموا على قدم الاستقامة، فكمُلت معرفتهم، وعَلَتْ طريقتهم.
"فعامِلوا الله عز وجل كما عاملوه تحصُل لكم المناسبة مع القوم، ويتِمَّ نظامُ أمركم وراءهم، فتكونَ أقدامُكم على أقدامهم"[6].
من تمام نصح هذا الرجل العظيم، الولي الفخيم، المطبوع على كريم الأخلاق، وعلى التواضع، السالك طريق "الذل والانكسار" أنه لم يترك أن دَلَّ أصحابه ومعاصريه على حقيقة تصدم التواضع، وتنافي الانكسار. تَصْدِمُهما وتنافيهما لو كانا تصنعا وناموسا. دل رحمه الله على نفسه، وأعلن أهليته للمشيخة كما كان يعلنها قبله معاصر له اسمه عبد القادر الجيلاني، وكما أعلنها بعدهما الإمام الشاذلي، وغيرهم رضي الله عنهم.
دلالة هؤلاء الجهابذة من الرجال على نفوسهم كانت تكون سفها وطيشاً وتضليلا للعباد لو لم تكن تلك النفوس قد ارتاضت على طاعة الله عز وجل بالصدق، وتنورت بنور المعرفة، وحظِيتْ في خفارة القلب بمجد القُرب. فهي بعد إن أشارت إلى ذاتها المكسوَّة بِخِلَع العبودية لله عز وجل فإنما تذكر نعمة المولى عليها. لا وزن عندها لرأي الخلق كذبوا أو صدقوا، جاءوا أو غاروا تحت الأرض.
بهذا الصدق الخالص يقول الإمام الرفاعي: "نِعَم الله تعالى تُذكَر. من قرّبْته من العزيز فهو قريب. ومن أبعدتُهُ عنه فهو بعيد. أيها البعيد عنا، الممقوت منا! ما كان هذا منك يا مسكين! لو كان لنا فيك مَقْصَدٌ يشهَدُ بحسن استعدادك، وخالص حبك لله عز وجل وأهلِه، اجتَذَبْنَاك إلينا، وحسبناك علينا، شِئْتَ أو لا. لكن الحقَّ يقال: حظُّك منعك، وعدم استعدادك قطعك.
"لو حَسَبْناك منا ما تباعدت عنا!
"خذ مني يا أخي علم القلب! خذ مني علم الذوق! خذ مني علم الشوق! أين أنت مني يا أخا الحجاب! كُشِف لي قلبك!"[7].
ويصلُ الإمام رضي الله عنه وصيته بالذكر بوصيته بالصحبة. والصحبة والذكر، مع الصدق والإخلاص من جانبي الصاحب والمصحوب، هما الركنان الأساسيان، والشرطان المتلازمان، في رفع الأقدام ووضعها في الخَطْو على الطريق.
قال قدس الله سره العزيز: "عليكم، أي سادة، بذكر الله. فإن الذكر مغناطيسُ الوصل وحبل القرب. من ذكر الله طاب بالله، ومن طاب بالله وصل إلى الله.
"ذكر الله يثبت في القلوب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله (كما جاء في الحديث الصحيح).
"عليكم بنا! صحبتنا تَرياقٌ مُجَرَّبٌ! والبعد عنا سم قاتل!
"أيْ محجوبُ! تزعم أنك اكتفيت عنا بعلمك! ما الفائدة من علم بلا عمل! ما الفائدة من عمل بلا إخلاص!
"الإخلاص على حافة طريق الخطر! من ينهض بك إلى العمل! من يداويك من سم الرياء! من يدُلك على الطريق القويم بعد الإخلاص! "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". هكذا أنبأنا العليم الخبير.
"تظن أنك من أهل الذكر! لو كنت منهم ما كنت محجوبا عنهم. لو كنت من أهل الذكر ما حُرِمْت ثمرة الفكر. صدك حجابُك! قطعك عملك!"[8].
هذه الصفحة تلخِّصُ الشروط الثلاثة الأساسية في السلوك: الصحبة والذكر والصدق. في هذه الصفحة الرائعة تقرأ تلازمها وتسانُدَها وبناء بعضها على بعض، وانتقاض بعضها بانتقاض بعض. ولا تجد دَالاًّ على الله من أهل التربية إلا ونظام هذه الشروط عنده قارٌّ، وإن تنوعت الفروع والتطبيقات.
والصحبة هي الباب وهي المفتاح.
قال الإمام الرفاعي يوصي بالأدب مع الشيخ المربي: "ولا ترغب في الكرامات، فإن الأولياء يستترون من الكرامات كما تستتر النساء من الحيض. ولازم باب الله. ووجه قلبك لرسول الله. واجعل الاستمداد من بابه العالي بواسطة شيخك المرشد. وقم بخدمة شيخك بالإخلاص من غير طلب ولا أرَبٍ، واذهب معه بمسلك الأدب. واحفظ غَيْبَتَهُ، وتَقَيَّدْ بخدمته، وأكثر الخدمة في منزله، وأقلل الكلام في حضرته. وانظر إليه بنظر التعظيم والوقار، لا نظر التصغير والاحتقار"[9].
ثم يجمل الشيخ الرفاعي نصائحه للسالك فيقول: "وقم بنصيحة الإخوان، وألِّفْ بين قلوبهم. وأصلح بين الناس، واجمع الناس، مهما استطعت، على الله بطريقتك. ورغب الناس بالصدق للدُّخول في باب الفقراء، والسلوك بطريق القوم.
"وعمر قلبك بالذكر، وجمل قالبك بالفكر، ونور نِيَّتكَ بالإخلاص. واستعن بالله، واصبر على مصائب الله، وكن راضيا من الله. وقل على كل حال: الحمد لله.
"وأكثر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن تحركت نفسك بالشهوة أو الكِبْرِ فصم تطوعا لله. واعتصم بحبل الله. واجلس في بيتك، ولا تكثر الخروج للأسواق ومواضع الفُرَج. فمن ترك الفُرَجَ نال الفَرَجَ(...). واذكر الله في كل أمر، وأخلص له في السر والجهر"[10].
قال لاحق بركب ثلة الأولين من الأولياء الصالحين:
أُكَـلِّـفُ القلب أن يَـهْـوَى وألزمـه صـبـرا وذلك جمـعٌ بـين أضـداد
وأكـتـم الركـب أوطـارِي وأسـألـه حاجـات نفسي لقد أتعبتُ رُوَّادي
هل مُـدْلِـجٌ عنده من مُـبْكـر خَـبَـرٌ وكيـف يعلم حـال الرائـحِ الغَـادِي
فإِن رَوَيْتُ أحـاديث الذين مـضـوا فـعـن نسيم الصَّبا والبرق إسنـادي

وقال عبد لا يعظم غير ربه، ولا يسعى في سوى قربه:
أمِـنْ بَعْدِ بذل النفس فيما أرُومه أُثـابُ بِمُـرّ العيـش حين أُثـاب!
فليتـك تحلـو والحيـاة مـريـرة وليتـك تـرضى والأنـام غضـاب!
وليت الذي بيني وبينـك عـامِـر وبـيـني وبـين العـالمـين خـراب
إذا صح منك الوصل فالكل هَيِّـن وكـل الذي فـوق الـتـراب تـراب

وهي أبيات قيلت في مدح سيف الدولة الحمداني، تمثل بها الصوفي.
وقلت:
يَجتـثُّـك المـوتُ لا محــالَـهْ يا نَاعِمَ البــالِ في السَّـفـالَهْ
تَطوي حَديثاً للمَـوت لكنْ يَومُــك ياتيـكَ في عُجــالَهْ
فألْجِم الـنَّفس عنْ هَواهَـا وتـب إلى الله مِـن جَهـالَهْ




[1] مقدمة كتاب "حالة أهل الحقيقة مع الله".
[2] شذرات الذهب ج 4 ص 260.
[3] المصدر السابق ج 4 ص 261.
[4] البرهان المؤيد ص 92.
[5] المصدر السابق ص 53.
[6] المصدر السابق نفس الصفحة.
[7] البرهان المؤيد ص 42.
[8] المصدر السابق ص 43.
[9] البرهان المؤيد ص 96.
[10] المصدر السابق ص 96

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 10-28-2011   #8
محب نشيط
 
الصورة الرمزية عمرأبوحسام الحسني
 

افتراضي رد: سلوك العارفين بالله :

8.سلوك الإمام الشاذلي
بسم الله الرحمن الرحيم. )وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها. إن ربي لغفور رحيم(. اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
تخَرَّجَ السيد أبو الحسن الشاذلي في علوم الشريعة ثم سلك الطريق حتى تأهل للمشيخة قبل أن يغادر وطنه المغرب إلى مصر. وكان ضرير البصر ثاقب البصيرة، أوتي من النورانية والحكمة ما جمع حوله الخاصة والعامة، كما يدل على ذلك المشهدان التاليان.
قال الشيخ الصوفي مكين الدين الأسمر:"حضرت بالمنصورة في خَيْمةٍ فيها الشيخ الإمام مفتي الأنام عز الدين بن عبد السلام والشيخ مجد الدين بن تقي الدين علي بن وهب القشيري المدرِّس والشيخ محيي الدين بن سُراقة والشيخ مجد الدين الأخميمي والشيخ أبو الحسن الشاذلي، رضي الله عنهم، ورسالةُ القشيري تقرأ عليهم. وهم يتكلمون، والشيخ أبو الحسن صامِتٌ. إلى أن فرغ كلامهم. فقالوا: يا سيدي! نريد نسمع منك. فقال: أنتم ساداتُ الوقت وكبراؤه، وقد تكلمتم. فقالوا: لا بد أن نسمع منك!
قال: "فسكت الشيخ ساعة، ثم تكلم بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة. فقام الشيخ عز الدين، وخرج من صدر الخيمة، وفارق موضعه، وقال: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله!"[1].
هكذا كانت حَظْوة الشيخ الإمام عند الخاصة من أكابر العلماء. وكان لا يقبل أحدا من أهل العلم يتتلمذُ له حتى يعقد مجلس مناظرة يمتحن فيها تمكنه من علوم الشريعة.
أما دعوته للعامة فقد سلك فيها مسلكا زاد فيه على صنيع الإمامين الجليلين قبله، الجيلاني والرفاعي. هما كانا يكتفيان في مجالس وعظهما العام بالتحدث بنعمة الله عليهما ليوجها قلوب الخلق إليهما، وهو كان يدعو إلى طريقته في الشارع، معلنا عن مقامه بما يُشبه الفخرَ والدعوَى في نظر من لا يدري مكانة أولياء الله.
قال في الشذرات: "كان إذا ركب تمشى أكابر الفقراء وأهل الدنيا حولَه، وتُنشَر الأعلام على رأسه، وتُضرب الكوسات (الطبول) بين يديه، وينادي النقيب أمامه بأمره له: من أراد القطب الغوث فعليه بالشاذلي"[2].
يتَّسم سلوك الشاذلي بالتيسير، فسُمِّيَتْ طريقته طريقة الشكر، وسنرجع إليها بحول الله في الفصل المقبل. لكن الخصائص العامة للإرادة والصحبة ودوام الذكر والإخلاص والصبر هي هي عنده كما عند الذين درجوا قبله، رضي الله عنهم أجمعين.
فهو يوصي المريد المبتدئ بقطع العلاقات مع رفقة الغافلين فيقول: "اهرُب من خير الناس (في نظرك) أكثر مما تهرب من شرهم. فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك. ولأَنْ تُصابَ في بدنك خير لك من أن تُصاب في قلبك. وَلَعَدُوٌّ تصل به إلى الله خير من حبيب يقطعك عن الله. ودَعْ إقبالهم عليك ليلا وإعراضهم عنك نهارا. ألاَ ترَاهم إذا أقبلوا فتنوا"[3].
ويوصي بصحبة الكمَّل فيقول: "قال لي شيخي (وهو الشريف المولى عبد السلام بن مشيش): لا تصحب إلا من تكون فيه أربع خصال: الجود من القلة! والصفح عن المظلمة، والصبر على البلية، والرضى بالقضية"[4].
ويفصل الشيخ تاجُ الدين بن عطاء الله تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي تلميذ أبي الحسن آدَابَ الصحبة في الطريقة الشاذلية فيقول: "الاقتداء لا يكون بوليٍّ مجهول العيْن في كون الله، بل الاقتداء إنما يكون بولي دلَّك الله عليه، وأطلعك على ما أوْدَعَه من الخصوصية لديه. فطوَى عنك شهودَ بشريته في وجودِ خصوصيَّتِه. وألقيت إليه القياد فسلك بك سبيل الرشاد.
"يُعرِّفك برعونات نفسك وكمائنها ودفائنها، ويدُلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار مما سوى الله، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله. ويوقفك على إساءة نفسك، ويعرفك بإحسان الله إليك. فتُفيدك معرفةُ إساءة نفسك الهرَبَ منها، وعدم الركون إليها. ويفيدك العلمُ بإحسان الله إليك الإقبالَ عليه، والقيامَ بالشكر له، والدوامَ على مَمَرِّ الساعات بين يديه.
قال: "فإن قلت: فأين من هذا وصفُه؟ لقد دللتني على أغربَ من عنقَاءَ مُغْرِب!
"فاعلم أنه لا يُعْوِزُكَ وجدان الدَّالين، وإنما قد يعوزك وجدان الصدق في طلبهم. جِدْ صدقاً تَجِدْ مُرشدا. وتجدُ ذلك في آيتين من كتاب الله. قال الله سبحانه: )أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ( (سورة النمل، الآية: 64). وقال سبحانه: )فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ( (سورة محمد، الآية: 22).
"فلو اضطُرِرْتَ إلى من يُوصلك إلى الله اضطرار الظمآن للماء، والخائفِ للأمن، لوجدتَ ذلك أقرب إليك من وجود طلبك. ولو اضطُرِرْتَ إلى الله اضطرار الأم لولدها إذا فقدتْه لوجدت الحق منك قريبا، ولك مجيبا. ولوجدت الوصول غيرَ متعذِّرٍ عليك، ولتوجه الحق بتبيين ذلك إليك. فهذا الكلام في طريق الجواز والوقوع جميعا"[5].
قلت: الاضطرار إلى الله عز وجل عطاءٌ منه سبحانه نفيس. وهو اتِّقادُ الإرادة وتوجُّهُها بصدق في الطلب. فمن وجد في نفسه صدقَ الاضطرار ورغِبَ عن كل ما سوى الله عز وجل وأظلمت الدنيا في عينه ما دام لا يعرف الطريق إلى الله، فذاك قريب من نيْل الرغائب. صدق الاضطرار أخرج حجَّةَ الإسلام الغزاليَّ من "حِشمته" في بغداد. وبخَلْفِيَّةِ صدق الاضطرار أشار الشيخ عبد القادر على الباحث عن الولي المرشد أن يقوم من الليل ويسأل الله تعالى والناس نيام، وقلبُه هو من بين المرتاحين مُتعَبٌ مُوَلَّهٌ مُلْتاع، قائلا: يا رب من أصحب! من الدليل عليك!
ويا ما أصْدَقَها حكمة: جِدْ صدقاً تجدْ مرشدا. الاضطرار إلى الله عز وجل عطاء من عنده، ونداء من حضرته تعالى إلى العبد المحبوب. وبالمحبة المتعلقة بالجناب الأقدس، الفائضة منه على العبد في حقيقة الأمر، الراجعة إليه، تتمكن أسباب التواصل، وتتحرك حِبال التقريب حتى يصل الكتابُ أجله، فإذا بالعبد المتقرب قد تنوَّر.
قال الإمام أبو الحسن في المحبة، مستعملا مصطلحات القوم: "المحبة آخذة من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه. فترى النفس مائلةً لطاعته، والعقل متحصِّنا بمعرفته، والروحَ مأخذوة في حضرته، والسرَّ مغموراً في مشاهدته. والعبدُ يستزيد فيُزاد، ويفاتَحُ بما هو أعذبُ من لذيذ مناجاته. فَيُكْسَى حُلَلَ التقريب على بساط القُربَة، ويَمَسُّ أبكارَ الحقائق وثيِّباتِ العلوم. فمِن أجل ذلك قالوا : أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائِسَ المجرمون.
"قال له القائل: قد علمتُ الحب، فما شرابُ الحب، وما كأس الحب، ومن الساقي، وما الذوق، وما الشراب، وما الري، وما السكر، وما الصحو؟
"قال رضي الله عنهُ: الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب. والكأس هو اللطف الموصِل ذلك إلى أفواه القلوب. الساقي هو المتولي الأكبر للمخصوصين من أوليائه والصالحين من عباده وهو الله العالم بالمقادير وبمصالح أحبائه. فمن كُشِفَ له عن ذلك الجمال، وحَظِيَ منه بشيء نَفَساً أو نَفَسَيْن، ثم أُرخِي الحجابُ فهو الذائق المشتاق. ومن دام له ذلك ساعة أو ساعتين فهو الشارب حقا. ومن توالى عليه الأمر، ودام له الشرب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار الله المخزونة فذاك هو الري.
"وربما غاب المحسوس والمعقول. فلا يدري ما يقال ولا ما يقول، فذاك هو السُّكر. وقد تدور عليهم الكؤوس، وتختلف لديهم الحالات، فَيُرَدُّون إلى الذكر والطاعات، ولا يحجبون عن الصفات، مع تزاحم المقدورات فذلك وقت صَحْوهم، واتساع نظرهم، ومزيد علمهم"[6].
وهذه وصية جامعة لأبي الحسن تُلخص السلوك. قال قدس الله سره: "إنك إذا أردت أن يكون لك نصيبٌ مما لأولياء الله تعالى فعليك رفض الناس جملةً إلا من يدلك على الله تعالى بإشارة صادقة، وأعمال ثابتة لا ينقضُها كتاب ولا سنة. وأعْرِضْ عن الدنيا بالكلية، ولا تكن ممن يُعرض عنها ليُعطى شيئا على ذلك. بل كن في ذلك عبداً لله، أمرك أن ترفض عدوه.
"فإن أتيت بهاتين الخصلتين: الإعراض عن الناس والزهد في الدنيا فأقِم مع الله بالمراقبة، وملازمة التوبة بالرعاية والاستغفار والإنابة، والخضوع للأحكام بالاستقامة.
"وتفسير هذه الوجوه الأربعة: أن تقوم عبداً لله فيما تأتي وما تذَر، وتراقب قلبك أن لا يَرَى قَلْبُك في المملكة شيئا لغيره.
"فإذا أتيت بهذا نادتك هواتفُ الحق من أنوار العزَّة: إنك قد عَمِيتَ عن طريق الرشد! من أين لك القيام مع الله تعالى بالمراقبة وأنت تسمع قوله عز وجل: )وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً( (سورة الأحزاب، الآية: 52)[7].
قلت: هذه مرحلة اعتماد السالك على جُهد نفسه، وهي لا تزال حيَّةً تسعى، تُسوِّلُ له أن الطاعات من كسبه المحض، وأن السلوك أخذ وعطاء. وكثيرا ما تجد السالك في هذه المرحلة يتعلق بنتائج الأذكار، ويهفو إلى لوائح الأسرار وبوارق الأنوار. ويترقَّب ظهور الكرامة وفتح الباب. وكل هذه التطلعات والتخرصات ظواهر لعَرَامَة النفس وشرَّتها. فإذا أراد الله بالسالك أن يُوقِفَه على أرض العبودية غير المشروطة التي عليها السير الحقيقي تدارَكَه بانكسار نفسه وتحطُّم عزائمها، فلا يبقى له اعتماد إلا على فضل ربه المحض. وهناك يبدأ السير القلبي.
قال أبو الحسن: "فهناك يدركُك من الحياء ما يحملك على التوبة مما ظننت أنه قريب. فالتزم التوبة بالرعاية لقلبك أن لا يشهد ذلك منك بحال فتعود إلى ما خرجت منه.
"فإن صحت هذه منك نادتك الهواتف أيْضا من قِبَل الحق تعالى: التوبة منه بدأت، والإنابة منه تتبعها، واشتغالك بما هو وصف لك حجاب عن مرادك!
"فهناك تظهر أوصافك (النفسية)، فتستعيذ بالله منها. وتأخذ في الاستغفار والإنابة. والاستغفار طلب السِّتر من أوصافك إلى أوصافه. فإن كنت بهذه الصفة، أعني الاستغفار والإنابة، ناداك عن قريب (بإلهام أو وحي منام أو قرينة حال أو غير ذلك): اخضع لأحكامي، ودَعْ عنك منازعتي، واستقم مع إرادتي برفض إرادتك. وإنما هي ربوبيَّة تولَّت عبوديّةً. وكن عبدا مملوكاً لا يقدر على شيء. فمتى رأيت منك قدرة وكلْتُك إليها. وأنا بكل شيء عليم.
"فإن صح لك هذا الباب ولزمته أشرفت من هنالك على أسرار لا تكاد تُسمَع من أحد من العالمين".
ومن وصايا الإمام الشاذلي، في معنى ما تقدم، قوله: "لن يصل الولي إلى الله ومعه شهوة من شهواته، أو تدْبيرٌ من تدبيراته، أو اختيار من اختياراته"[8].
قلت: وهذا هو شرط العبودية: أن تفوِّضَ له سبحانه،مع دوام التوسل والتضرع والطاعة والذكر والاستغفار والانكسار.
قال الشيخ ابن عطاء الله تلميذ تلميذ أبي الحسن:
بَكَـرَتْ تَـلُـوم على زمـان أجْـحَـفـا صَـدَفْـتُ عنهـا عَلَّهـا أن تَـصْـدِفـا
لا تُـكـثِـري عتـبـاً لـدهــرك إنـه ما إنْ يُطـالَـبُ بالوفـاء أو الصَّـفـا
ما ضـرَّنـي أن كـنْـتُ فيـه خـامـلا فالبـدُر بـدرٌ إن تـبَـدَّى أو خـفـى
اللـه يـعـلــم أنـنـي ذو هـمــة تـأبى الدنـأيـا عِـفَّــةً وتَـظَــرُّفَـا
لِـمَ لا أصـون عن الورى ديـبـاجتي وأُرِيـهـمُ عـزَّ المـلـوك وأشــرفـا!
أَأُريـهــمُ أنـي الفـقـيــر إلـيـهـم وجميـعُـهـم لا يستطـيـع تصـرفـا!
أم كـيف أسـأل رزقـه مـن خـلـقـه هذا لعَمْري –إن فعلت- هو الجَفَـا!
شكـوى الضعيـف إلى ضعيـف مثلـه عـجـز أقـام بحـاملـيـه على شـفـا
فـاسـتـرزق الله الـذي إحـســانـهُ عـمَّ الـبـريَّـة مِـنَّـةً وتَـعَـطُّـفَـا
والجـأ إلـيـه تجـدْه فيمـا تَـرْتَـجـي لا تَـعْـدُ عـن أبـوابـه مُـتَـحَــرِّفـا

وقلت:
بَـكَــرَ العَــاذِلُ يَثْنــي هِمَّـتي عَــن مُـبتَغــاهـا
رَامَ يُطفِي عَطـشَ النَّفــ ـسِ إلى وِردِ صَفـاها
وَدَّ لَـوْ مــائِـجُ رِجْــس في دُجَـى الغَيِّ رمَـاها




[1] لطائف المنن ص 136.
[2] ج 5 ص 279.
[3] لطائف المنن ص 215.
[4] المصدر السابق ص 296.
[5] المصدر السابق ص 132.
[6] لطائف المنن ص 110.
[7] شرح ابن عباد على الحكم العطائية ج 1 ص 21.
[8] لطائف المنن ص 294.
9سلوك الإمام السرهندي
بسم الله الرحمن الرحيم. )إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم(. اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا. وتبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم. واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابلين لها، وأتِمَّها علينا.
يستطيع من كان في جاهلية جهلاء فمن الله عليه بالإسلام والتوبة أن يَعتبر إسلامه وتوبته ميلادا جديدا. ثم لا يكون قوله: وُلدتُ ولادة ثانية إلا كلاما مجازيا. أما من ولدت روحانيته وأنشأه الله عز وجل النشأة الثانية التي يكون بها الولي وليا فحديثه عن الميلاد الجديد، وعن أبوة شيخه، وعن سلسلة آبائه الروحيين حقيقة أقوى في عالم المعنى من النسب الطبيعي والانتسال الجسمي. وحتى إن شب الولي عن الطوق واتصل حبله بقرب الله عز ووجل وبروح رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينسى آباءه في الروح أبدا. وكيف ينسى الأحرار فضلَ من جعلهم الله رحمة ورحِما!
الإمام السرهندي مجدد الألف الثانية يتحدث بنعمة ربه عليه بما يشبه الدعوى، وليس عند مثله من الكاملين مكان لأية دعوى، إذْ صح لهم التعامل الصريح مع الله عز وجل، فما لرأي الخلق عندهم من وزن، صدّقوا أم كذبوا، رضُوا أم سخطوا.
قال رحمه الله: "أنا مريد الله ومراد الله أيضا. وسلسلة إرادتي متصلة بالله تعالى بلا توسط، ويدي نائبة عن مناب يد الله تعالى، وإرادتي متصلة بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بوسائط كثيرة"[1].
قلت: كونه ترقى في المعرفة والقرب لا يُنسيه أصلَه وفَصْلَه واستفتاحه في الطريق ونسبه فيها. فيقول: "فبيني وبينه في الطريقة النقشبَنْدية إحدى وعشرون واسطة، وفي الطريقة القادرية خمس وعشرون واسطة، وفي الطريقة الجشتية سبع وعشرون واسطة".
قلت: قد يأخذ السالك، بعد ميلاده وترقيه في حضن والده الروحي وبعد وفاة هذا الوالد أو تسريحه لابنه عَقِبَ فِطامه، عن شيخ آخر أو مشايخ آخرين لهم سلاسل وسندات أخرى بقصد التبرك والزيادة من الخير. ولا يقدح ذلك في نسبهم. فنسب السرهندي نقشبندي. ثم هو بعد أن بلغ مبلغ الرجال محمديٌّ رباني ككل كامل خرج من يد الوالدة والحاضنة فأبصر بعين قلبه أن المنة لله ورسوله من قبلُ ومن بعدُ. فيعمل بقول الله عز وجل: ) أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ( (سورة لقمان، الآية: 14).
يقول الإمام: "وإن كان شيخي في الطريقة النقشبندية عبد الباقي رضي الله تعالى عنه فإنَّ المتكفل بتربيتي هو الباقي جل جلاله وعَمَّ نوالُه. وإني تربيت بالفضل، وذهبت من طريق الاجتباء. وسلسلتي رحمانية، وأنا عبد الرحمان. فإنَّ ربي رحمان جل شأنه، وعَمَّ إحسانُه. ومُربِّيَّ أرحم الراحمين. وطريقتي طريقة سبحانيَّة، لأني ذهبت من طريق التنزيه، ولم أُرِدْ من الصفة والاسم غير الذات الأقدس تعالت وتقدست.
"وهذا السبحاني (يعني نفسه) ليس ذاك السبحاني (يعني أبا يزيد البسطامي الذي قال في سكره: سبحاني ما أعظم شأني!) الذي قال به البسطامي. فإنه لا مِساسَ له بهذا. فإنه ما تخلص من دائرة الأنفُس. وهذا (يعني سبحانيته هو) ما وراء الأنفس والآفاق. وهو (أي البسطامي) تشبيه كُسِيَ لباسَ التنزيه. وهذا تنزيهٌ لم يصِبْهُ غبار التشبيه. ذاك فائر من منبع السكر، وهذا منفجر من عين الصحو"[2].
ويُنْهي رحمه الله حديثه عن نفسه بشكر ربه عز وجل على اعتنائه به حيث لم يجعل لغيره مدخلا في تربيته. هذا كما يشكر اليافعُ خالقه سبحانه على ما سوّاه وأحسن صورته وبسط نعمته عليه. وليس في كلام اليافع جُحُود لفضل والديه، ولا في كلام المشايخ حجود ليد من حضنهم صبيانا، وكساهم وغذاهم ونظفهم أطفالا.
يقول الإمام السرهندي عن حقوق شيخ السلوك: "ينبغي أن يُعْلَم أن حقوق الشيخ فوق جميع أرباب الحقوق بلا نسبةٍ بين حقوق الشيخ وبين سائر الحقوق بعد إنعامات الحق سبحانه وإحسانات رسوله صلى الله عليه وسلم. بل الشيخُ الحقيقيُّ للكل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. والولادة الصورية وإن كانت من الوالدين فإن الولادة المعنوية مخصوصة بالشيخ.
"الولادة الصورية منشأٌ لحياة أيام معدودة، والولادة المعنوية مستلزمة لحياة أبدية.
قال: "والذي يَكْنِسُ نجاسة المريد المعنوية بقلبه وروحه، ويطهِّر كرِشَه هو الشيخ. وقد يُحس (الشيخ) في التوجيهات إلى بعض المريدين والمسترشدين لتطهير نجاساتهم الباطنية أن التلوثَ يَسْري أيضا لصاحب التوجه ويَجْعله مُكَدَّراً إلى مدة.
"والشيخ هو الذي يوصل بتوسله إلى الله عز وجل. وهذه سعادة فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية.
"والشيخ هو الذي بوسيلته تتزكى النفس الأمارة الخبيثة بالذَّات، وتَطْهُر، وتتخلَّص من "الأمَّارية"، وتنْقلب مطمئنة، وتخرُجُ من الكفر الجِبِلِّي، وتدخل إلى الإسلام الحقيقي.
"يطول إذا بيَّنْتُ تفصيل شرحه.
"للسالك أن يعتقد سعادته في قَبول شيخه له، وشقاوته في رده نعوذ بالله سبحانه من ذلك. وقد جعل الحق سبحانه رِضاه تحت حُجْبِ رِضَى المرشد"[3].
قلت: وهنا يصل الإمام إلى نقطة الأدب القلبي مع المرشد التي عليها الاعتمادُ، ويتخذها المريد السعيد دستور الصحبة معه، وهي نقطة خَطيرةٌ. إن انقياد الطالب لذي شهرة من أصحاب العمائم والسبحة والأتباع بطالة وعطالة إن لم يكن لَدَى الطالب هذا الاضطرارُ الظامِئُ إلى قرب ربه عز وجل، الذي يجعله الكريم الوهاب سبحانه مقدمة على طريق من يريد أن يقربه إليه، ثم يُهيِّئ له لقاء الصادقين الذين يُوصلونه بأمانة إلى ما سبق له من نيل الرغائب.
قال رحمه الله في توضيح هذه النقطة المحورية: "وما لم يجعل المريد نفسه فانيا في رضى المرشد لا ينال نصيبا من مرضاته سبحانه وتعالى"[4]. قف عند كلمة فانيا.
قال: "وآفة المريد في أذِيَّة شيخه. وكلُّ زلة يمكن تدارُكُها، إلا زلةُ أذية المرشد فإنه لا يمكن تداركها بشيء من الأشياء.وأذية المرشد أصل شقاوة المريد، وعِرْقُها، عياذا بالله من ذلك. والخلَلُ الطارئ في المعتقدات الإسلامية، والفتور الواقع في إتيان الأحكام الشرعية من نتائج تلك الأذية وثمراتِهَا.
"وماذا أقول عن الأحوال والمواجيد المتعلقة بالباطن؟ فإن بقيَ أثر من الأحوال مع وجود أذية الشيخ ينبغي أن يَعُدَّه من الاستدراج الذي يجر أخيرا إلى الخرابيَّة. ولا يُنْتِجُ شيئا غير الضرر. والسلام على من اتبع الهدى"[5].
قلت: إن الصحبة لكاملٍ من الأولياء المرشدين شرط مفروغ من أهميته الحيوية عند السادة الصوفية أهل المعرفة بما هي الطريق. وإن شئتَ قلت باختصار: الطريق هي الشيخ الواصل الموصل الحبل بالسند المتصل. فما يبقى إلا شرطُ الصدق عند الطالب، وشرط الصبر مع المرشد، وشرط الاستقامة على السنة، وشرط الاجتهاد حتى يأذن الله سبحانه لمن يشاء بما يشاء، مع دوام الذكر والدعاء.
أما المتفرج من خارج الميدان، الذي لم يشمَّ شمة من الاضطرار إلى الله، ولا له صبر ليتعقَّب وصايا أهل الله بالصحبة، فهو يرفُض مبدأ الصحبة قبل كل نقاش ويسخَر من السند الروحي، ويكذب بالولادة الروحية، ويرى كل هذا هُراءً ومُبالَغة وخَبْطا وغلُوّا في الدين. ويُوصي المشايخ أنفُسُهم المريدين بالوقوف عند حد في تعظيم المرشدين، لأن شرط "الفناء في الشيخ"، وهو مِحْوَرِيٌّ في المسألة، قد يؤدي إلى الغلو المذموم، ويؤدي الغلو إلى الزيغ، ويؤدي الزيغ إلى الكفر. نعوذ بالله.
لذا قال الإمام السرهندي: "ينبغي أن يُعلَم أن اعتقاد المريد أفضليَّة شيخه وأكمليَّتَه هو من تمام المحبة ونتائج المناسبة التي هي سبب الإفادة والاستفادة. ولكن ينبغي أن لا يُفضِّلَ شيخه على قوم قد تقررت أفضليتهم في الشرع. فإنه إفراطٌ في المحبة، وهو مذموم. وقد كانت خرابية الشيعة وضلالتُهم من جهة إِفراطهم في محبة أهل البيت. واعتقد النصارى عيسى عليه السلام إلها من إفراط محبتهم إياه، ووقعوا في الخسارة الأبدية.
"أما إذا فضَّل شيخه على من سواه (من المشايخ) فجائز. بل هو واجبٌ في الطريقة. وهذا التفضيل ليس باختيار المريد، بَلْ لو كان المريد مستعدا يظهر فيه هذا الاعتقاد بلا اختيار منه، فيكتسبُ كمالات الشيخ"[6].
وفي مكان آخر يتحدث الإمام عن الكرامات والخوارق، فيقرر أن ظهورها ليس شرطا في الأهلية للمشيخة، ويُبَيّنُ أن الخوارق الكونية لا شيء بالنسبة للكرامة الكبرى التي هي إحياء القلوب. قال رحمه الله: "وكيف لا يُحِس المريد خوارق الشيخ وقد أحيى القلب الميتَ، وأوصل إلى المكاشفةِ والمشاهدةِ. فإذا كان الإحياءُ الجسدي عظيمَ الشأن عند العوام، فعند الخواص الإحياء القلبيُّ والروحي برهانٌ رفيع البنيان"[7].
ويستشهد السرهندي بكلام أحد مشايخ سلسلته قال: "ولما كان الإحياء الجسدي معتبرا عند أكثر الناس أعرضَ عنه أهل الله، واشتغَلوا بالإحياء الروحي، وتوجهوا إلى إحياء القلب الميت. والحق أن الإحياء الجسدي بالنسبة إلى الإحياء القلبيِّ والروحي كالمطروح في الطرّيق وداخل في العبث بالنظر إليه. فإن هذا الإحياءَ الجسدِيَّ سببُ حياة أيام معدودة، وذاك الإحياءُ الروحيُّ وسيلة للحياة الدائمة.
"بل نقول: إن وجود أهل الله في الحقيقة كرامةٌ من الكرامات، ودعوتُهم الخلق إلى الحق جل سلطانه رحمة من رحمات الله تعالى، وإحياؤهم القلوبَ الميتة آيةٌ من الآيات العظمى. وهم أمان أهل الأرض، وغنائم الأيام. بهم يُمطرون، وبهم يرزقون. كلامهم دَواء ونظرهُم شِفاء. هم جلساء الله، وهم قوم لا يشقى جليسُهم، ولا يخيب أنيسُهم.
"والعلامة التي يَتمَيَّزُ بها مُحِقُّ هذه الطائفة من مُبْطِلهم هي أنه إذا كان شخصٌ له استقامة على الشريعة، ويحصل للقلب في مجلسه ميلٌ وتوجه إلى الحق سبحانه وتعالى، وتحصل برودة عما سواه تعالى، فذلك الشخص شخص مُحق، ولأَنْ يُعَدَّ من الأولياء، على تفاوت الدرجات، مُسْتحِقّ"[8].
هذه نبذة من كلام الإمام أحمد السرهندي الذي يحتاج المسلمون إلى دراسة تاريخه ليعرفوا ما هم مدينون به لجهاده أمام الطاغية "أكبر" من بقاء الإسلام في الهند، ويحتاج الصوفية لدراسة مكتوباته التي حرر فيها قواعد السلوك تحريرا مجدِّدا حقا واستحقاقا رحمه الله.
قال مشتاق محب، برّح به البعد وشفه الجفاء:
من رأى البرقَ بنجد إذْ تَـراآى سُـلـبَ النـوم وأُهْـدِي البُـرحاء
فـاض فيهـا كـجـفـوني مـاؤُه والْتَـظَى وَهْناً كَأَنفـاسي الْتِظـاءَ
قام سُمَّـار الدُّجَى عـن سـاهِـرٍ تَخِـذَ الهـمَّ سمـيـراً والبكَـاء
أسـهــرته دمـعـة تـفـضَـحُـه وإذا مـا أحسـن الدمـعُ أسَـاءَ
يا خـلـيـلـيَّ ولم أشـعـرْ كمـا بالهَوَى حتى تَـبَـيَّـنْـتُ الإخاء
علِّلا قـلـبِـي بذكـرَى قـاتـلـي رُبَّ داء قـادَ للـنـفــس دواء

وقال صادق في معاملته، ناصح مُؤَد لأمانته:
وإِنَّ امْـرأً لم يَصْـفُ لله قـلـبُـه لفي وحشة من كل نظرة ناظـر
وإِنَّ امـرأً لم يَـرْتَحِـل ببضـاعةٍ إلى داره الأخـرَى فليس بتاجـر
وإن امـرأً يبتـاع دُنْـيَـا بدينـه لمُنْقَـلِـب منها بصَفْـقَـةِ خـاسـر

وقال موف بعهده، حافظ لوده:
أسُـكَّـانَ نُـعمـانِ الأرَاكِ تـيـقـنـوا بـأنـكـمُ فـي رَبْـع قـلـبـيَ سُـكـانُ
ودومـوا على حـفـظ الوداد فـإننـا بُلينـا بأقـوام إذا استُحْـفِظـوا خانـوا
سلوا الليل عني مذ تنـاءت ديـارهم هل اكتحلتْ لي فيه بالغَمْضِ أجفـان

وقلت:
سَحَبــوكَ في غَفَـلاتِهِم قَذَفُـوكَ في طُـوفـانِـهــا
هذي السَّـفينـة يا فَت ى قَدْ صُنِّعَتْ أرْكانُها
نادَى لنَصبِ شِراعـها وَرَحـيـلِـهــا رُبَّــانُــهـا




[1] المكتوبات ج 3 ص 110.
[2] المكتوبات ج 3 ص 110.
[3] المصدر السابق ج 2 ص 108 وما بعدها.
[4] المكتوبات ص 111.
[5] المصدر السابق ج 2 ص 111-112.
[6] المصدر السابق ج 2 ص 137.
[7] المصدر السابق ص 140.
[8] المكتوبات ج 2 ص 140.
.

 

عمرأبوحسام الحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:15 PM.

Designed by al-samer