مرحباً بكم في التجانية أونلاين : " اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما اغلق والخاتم لما سبق, ناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم, وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم. تم بحمد الله وشكره افتتاح موقع ومنتديات التجانية أونلاين اليوم 18/03/2009 وبهذه المناسبة الكريمة تتقدم ادارة التجانية أونلاين من خلال هذه المساحة الاعلامية الجديدة بأحر التهاني للشيخ سيدي محمد العيد التجاني رضي الله عنه وعنا به, كما تزف أطيب كلمات التهاني لكل أحباب ومريدي الطريقة التجانية, وكل المسلمين عبر العالم . سيكون موقع التجانية أونلاين مساحة اعلامية ذات طابع ديني , بحيث ستتناول كل المواضيع المتعلقة بالاسلام والتصوف, والطريقة التجانية . زوارنا الكرام .. ضيوف موقع ومنتديات التجانية أونلاين .. يسرنا تواصلكم معنا من خلال المواضيع والمقالات التي لها علاقة بطابع الموقع . التجانية أونلاين ... بسير زمانك سر.

     
القائمة الرئسية
اتصــــل بنـــا
الأخبـــــــــــار
أخبر صديقك
البحث في الموقع
دليل المواقع
القائمة البريدية
الأسئلة المتكررة
مجلة المستخدم
فجر الإسلام
أسباب النزول
أصحاب الجنة
أسماء الله الحسنى
أسرار ترتيب القرآن
من قصص القرآن
رمضـــــــــان
قصص الانبياء
شمس المعارف
التصــــــــوف
الطريقة التجانية
السيرة النبويه
الملتقى الدولي الثاني للطريقة التجانية
الجوهره التماسينية
المكتبة السمعية
الذكـر الحكـيم

{ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ }

الصافات (97)




بحث
البحث


متفرقات

اخبار
[ اخبار ]

·إفتتاحية التجانية أونلاين
·الشيخ سيدي محمد الحافظ المصري التجاني
·البدعة ومفاهيمها
·التربيــة
·الطريقة التجانية طريقة العلماء
·باب في آداب الصحبة والأخوة
·مرحبا بكم في المولد النبوي التماسيني
·دور رجال الطريقة التجانية في الحركة الوطنية وثورة نوفمبر المجيدة
 
 
 

الطريقة التجانية

الطريقة التجانية في الجزائر

من 1781 إلى 2004

                         

 مقدمــة

قد يكون الولي الصالح الشيخ سيّدي عبد القادر الجيلاني، المولود سنة 1078 م بجيلان (إيران) والمتوفي سنة 1166 م ببغداد، هو أوّل من أنشأ طريقة كمنهج سلوكي ديني، مفتوح لجموع المسلمين. وقد انتشرت طريقته القادرية في جميع ربوع البلاد الإسلامية. وحمل لواءها بالجزائر جمع من أكابر رجال الصوفية ومن ضمنهم أخصّ بالذكر سيّدي أبو مدين الغوث دفين تلمسان. ويرتفع سند القادرية إلى شيخ الإسلام العلامة الحسن البصري (642/728)، الذي أخذ عن الإمام علي رابع الخلفاء الرّاشدين رضي الله عنه، وهو أخذ عن النبي سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم.

وحذى حذوه جميع مؤسسوا الطرق من بعده؛ فإنهم يرفعون سندهم إمّا إلى أوّل الخلفاء الرّاشدين، سيّدنا أبي بكر رضي الله عنه، وإمّا وفي أغلب الحالات، إلى الخليفة الرّابع سيّدنا علي رضي الله عنه. وأذكر من بين هؤلاء، الشيخ عمر بن عبد الله السهراوردي (1144/1234)، الشيخ أبو الحسن الشاذلي (1196/1258)، الشيخ زرّوق (م_1494). والحالة الاستثنائية الوحيدة، تخصّ الشيخ سيّدي أحمد التجاني (1737/1815)، الذي ينسب إلى نبيّ الإسلام بالذات صلى الله عليه وسلّم، وبدون واسطة، الفضل في إصدار الإذن له بتأسيس الطريقة التجانية وبتلقين أورادها وذلك بعدما تحقّقت له رؤيته يقظة لا مناما، ذات يوم من سنة 1781م (1296 ه). وعلى كل حال، فإن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، هو المرجعية المطلقة لرجال الصوفية الذين يلجئون بدون استثناء إلى أبويّته الرّوحية ويتنافسون في الاهتداء بهديه القويم حسبما جاءت به كتب السنة والسيرة النبوية الطاهرة. وأمّا عزمهم في الانقياد له باتخاذه أسوة حسنة، إنما جاء تلبية للأمر الإلهي الصادر في الآية 21 من سورة الأحزاب: " لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر، وذكر الله كثيرأ".

                ومع هذا صارت الطرق الصوفية، في كثير من الأحيان عرضة للجدل والإنكار بحدّة، بين المناصرين للحركة الصوفية وبين المنكرين عليهم الذين يتهمونهم بالبدعة من حيث أحدثوا في الإسلام أعمالا منافية للسنة النبوية. وبالرغم من أنّ الأذكار والمناسك التي تلقن لمريدي الطرق، مقتبسة من نصوص القرآن نفسه أو من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلّم، تتوافق مع نصوص الأحاديث الصحيحة، إلاّ أن الخصوم ينكرون على مؤسسي الطرق من  حيث المبدأ، إنشاء التزامات شاقة على المؤمنين، قد تجرّهم في إشراك عبادة الإله الواحد، عبادة الأولياء. وإلى يومنا هذا لم يحسم الجدال، ولكن ليس هذا بموضوع مداخلتنا. ولفهم إشكالية إنشاء الطرق، يقتضي الأمر تذكيرا موجزا لتطوّر الأمّة الإسلامية عبر التاريخ.

      الجدير بالملاحظة في القرون الأربعة الأولى في تاريخ الإسلام، هو بروز شخصيات إسلامية وجيهة وكبار رجال الصوفية نخصّ منهم بالذكر الأئمة: الحسن البصري (م_728) الباقر، (م_731)، جعفر الصادق (م_765)، صفيان الثوري (م_778)، المحاسبي (م_857)، الجنيد (م_910)، القشيري (م_987)، وفي الأخير أبو حامد الغزالي (1058/1111) لنكتفي بهؤلاء عن طريق الإيجاز. وطيلة هذه الفترة من الزمان، التي ناسبت المرحلة التوسّعية المطلقة للإسلام، كانت الحركة الصوفية تتسم بالخصوصية الضيقة. كان رجال الصوفية ينتقون مريديهم أو تلامذتهم بتمحيص مشدّد، ليكتفوا بأفراد قليلون يسهرون على تربيتهم الرّوحية حتى يصلون بهم إلى أعلى مقامات المعرفة، التي لم تكن في متناول أيّ طالب. ولم يرتأ رجال الصوفية أنذاك أهمية توسيع الانخراط في سلوكهم للعامة، تفاديا للجدل المؤدي للفتن التي لم تحمد عقباها والأمة في مرحلة كانت في غنى عن ذلك. وللباحث في هذا المجال، الملاحظة بأنّ هـذه الفترة الزمنية من صدر الإسلام، عرفت ظهور كبار الحفاظ الستة الذين صانوا الحديث النبوي الشريف ضمن صحاحهم الستة، بعد عمل أكاديميّ طويل وشاق قاموا به في التمحيص في عشرات الآلاف من نصوص الأحاديث المنسوبة لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلّم. وهم الأئمة الكرام: البخاري (810/870)، مسلم (820/875)، أبو داود (818/889)، الترمذي (816/892)، النسائي (830/916)، وأخيرا، ابن ماجه (824/887).

      بعدما وصل العالم الإسلامي خلال الخلافة العباسية إلى أوج توسّعه في المعمورة، سائدا لسائر الأمم، دخل في مرحلته التاريخية للانحطاط التي سجلت فترات تصحيحات تعقبها فترات فرار إلى الأمام نحو الانحلال واللا مبالات المطلقة. ولم يخفى تدهور وضعية العالم الإسلامي على الأمم الغربية المسيحية التي لبّت نداء القديس البابا أوربان الثاني بتحرير قبر المسيح ببيت المقدس. ولهذا الغرض الظاهر، تمّ تجهيز تسعة غارات صليبية بين 1096 وسنة 1291. وكان سقوط القدس يوم الجمعة 15 جويلية 1099 وإرهاق دماء الآلاف من أهلها  هو الرمز الأقوى في العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي. وكانت المدة الزمنية اللازمة لردّ الفعل للمسلمين، لم تقل عن نصف قرن. وأصبحت حماية الإسلام ضدّ القوات المختلفة، الداخلية والخارجية، والرامية إلى تفككه والقضاء على كيانه، هي الشغل الشاغل لكافة رجال الدين. ففي هذا السياق التاريخي، أنشأت الطرق الصوفية وفي طلعتها الطريقة القادرية نسبة إلى الولي الصالح سيّدي عبد القادر الجيلاني كما ذكر سابقا. لقد أتضح أن الأمر صار يقتضي التدخل السريع إلى جانب الجموعات الإسلامية التي اختلط عليها الأمر من شدّة الابتلاءات. والغاية المقصودة هي انتعاش الرّوح الدينية للأفراد الحائرة من كثرة الالتباسات في عقيدتها وبالتالي أصبحت أولوية الأولويات هي استرجاع ثقة الفرد بربّه ثمّ بنفسه وفي ولاّة أمره. ولهذا الغرض المنشود، استوجب تحقيق التجنيد الشامل لكافة الطاقات لمواجهة تهديد الانقراض والاستعباد للأمة الذي أخذ يبدو جليا أكثر فأكثر، بعد الهجمات المتتالية للصليبيين، وتزامنها انطلاقا من 1216 م مع تدفق جيوش الماغول تحت إمارة جنجيس خان أوّلا ثمّ تحت لواء خلفائه. ولم تكن وضعية بلاد الأندلس المسلمة أحسن مما هي عليه بالمشرق. فكان ملوك ليون وكاستي قد وحدوا صفوفهم وأخذوا في استرجاع الأراضي باستدراج محكم من أيدي المسلمين بعدما افترقت كلمتهم وتشتت دولتهم العظمى إلى أشتات دويلات تتناحر عليها الطوائف المختلفة حسب النسب والعرق والمصالح الضيّقة. فصاروا مخيّرين بين الردى والتنصير للبقاء في المذلة أو الرّحيل من حيث أتى أسلافهم. وهكذا سقطت دويلة مسلمة بعد الأخرى: طولد (1085)، قرطبه (1236)، فالانس (1238)، إشبيليا (1248) وفي أخر المطاف، غرناطه يوم 02 جانفي 1492 م.

      قد يتساءل المرء لماذا الانحطاط بهذا الحجم بعد مجد عظيم سجله التاريخ لفائدة العالم الإسلامي. وقد كان له الفضل في نشر العلم والمعرفة إلى جل الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية، بما فيها اليهود والشعوب المسيحية المجاورة للأندلس المسلمة حيث كان يأتي طلابهم يدرسون العلوم في جامعاتها الشهيرة بسموّ مستوى تعليمها، والتي كانت مكتوبا على مدخل أبوابها بحروف من ذهب: " يرفع العالم أربعة أعمدة: علم الحكماء، عدل العظماء، دعاء الأتقياء وهمة الأبطال".

      في حقيقة الأمر، تحوّلت النقاط التي كانت تمثل مصدر قوّة للعالم الإسلامي وعاصمته بغداد، إلى مصدر ضعف بالنسبة إليه ومن ضمنها: التوسّع الجغرافي الحاد والتعدد الملل والشعوب ومن جرائها تعدد الثقافات التي وأن تكيفت مع الإسلام، بقي في طيّها خصوصيات غير قابلة للهضم، صارت بدورها سبب للإنفجار تحت غطاء جمعيات دينية في ظاهر الأمر وكانت في الحقيقة ذات مطالب سياسية، ومن ضمنها الحشاشين والقرامطة.[1] ومن ناحية أخرى، كان تراكم الثروات والسهولة التي انجرت من خلالها، سبب في الترف والتكاسل وما يصحبهم من انحرافات حتمية في إتبــاع الشهــوات وارتكـــاب الفواحش التي تقضي على الهمم: ( الإفراط في الغناء والشعر والمسيقى والرقص والشراب المحذور). يبدوا أن هذا الوضع المزعج للتحلل الأخلاقي هو الذي أدى بالعلامة وحجة الإسلام أبي حامد الغزالي صاحب كتاب "إحياء علوم الدين"، إلى الانخراط في المنهج الصوفي لتحقيق استقراره النفساني. وحسب ما ذكره المؤلف الفرنسي جاك س. ريسلي في كتابه " الحظارة العربية"، 1949، أن الكثير من الفقهاء ومن جميع الديانات بما فيهم المسيحيين، قد اتخذوا حجة الإسلام الإٌمام الغزالي مرجعا.

      إذا، إثر الحصار الذي ضرب عليه من قبل تحالف القوات الصاعدة في الغرب والشرق، وتفاقم الأزمات الداخلية المتعددة الأشكال، تأهل العالم الإسلامي للانهيار النهائي في اليوم الذي سقطت فيه العاصمة العباسية بغداد، العاشر من فيفري لسنة 1258 م تحت الضربات القاضية لجيوش المغول بقيادة هولاكو. وكانت الخسائر جدّ فادحة حسبما كتبه جاك ريسلي[2]حيث ذكر الحصيلة المرعبة: ثمان مائة قتيل من ضمنهم أربعة عشرة ألف من العلماء وأزيد من ثلاثة مائة من كبار الموظفين للدولة ومن رجال الفن والصناعة. من جراء هذه المجازر الجماعية الفتاكة المتتالية، وجد العالم الإسلامي نفسه مبتور الرأس بالانقراض التراجيدي لرؤوسه المفكرة وحال له الوقت بأن يغرق في بحر الفوضى العارمة لمدّة سبعة قرون بأكملها. ما الفعل؟ لقد أصبح اضطراري وجود صيغة تكاد تحفظ العقيدة الإسلامية من الإنهيار وإعادتة الأمل للمجتمع حتى يحضى بالبقاء في انتظار أيام أفضل. وكان هذا التوقيت التاريخي بالذات  الذي اختاره رجال الصوفية للتخاطب مع المجموعات الشعبية في البلدان الإسلامية بواسطة الطرق التي أسسها كبار مشايخ الصوفية. أمّا بالنسبة للأندلسي ابن عربي الحاتمي (1165/1240 م) الذي كان من أبرز المعبرين على حقيقة الصوفية، إلا أنه لم ينشأ طريقة. أما معاصره الوليّ الصالح أبو الحسن الشاذلي، قد أسّس طريقة تسمت باسمه في المغرب ثمّ انتشرت إلى المشرق انطلاقا من مصر حيث توفي سنة 1258م وهو في طريقه إلى البقاع المقدسة. وبالفعل، تكاثرت الزوايا التابعة لمختلف الطرق شرقا وغربا في بلاد الإسلام لتدعيم العقيدة الإسلامية وتماسك النسيج الاجتماعي السياسي للدول الإسلامية بعد تفكك الدولة العباسية. أما انتقال مركز الخلافة من بغداد إلى اسطنبول تحت حكم الدولة العثمانية، فلم يأتي بتوقف وضعية الانحطاط لدول الإسلام. وهكذا نجد في الجزائر تحامل الأسبان على أراض شمال إفريقيا مغتنمين الفرصة أمام انهيار دولة الموحدين وغيرهم للإستلاء على بلاد الإسلام التي لجأ إليها عشرات الآلاف من المهاجرين المسلمين الفارين بدينهم من الأندلس. وفي هذا السياق احتل الأسبان مرسى الكبير (1505)، وهران (من 1509 إلى 1790)، بجاية وبنيون الجزائر (1510). وهذا الواقع هو الذي أدى بسكان الجزائر بني مزعنا، بتوجيه نداء الاستغاثة سنة 1516م إلى الاخوان عرّوج و خير الدّين، من أصل تركي، لتحريرهم من قبضة الاسبان. ويرجع الفضل لسكان الجزائر في مقاومة الأمبراطور شارل كان، الذي فشل في أخر المطاف في الإستلاء على مدينة الجزائر رغم حجم العدد والعدة (35.000 عسكري و 500 سفينة). لكن، وللأسف، لم يأتي حكم العثمانيين بالجزائر لمدّة ثلاثة قرون، بأيّ تقدم ملحوظ لا في الصناعة ولا في الزراعة ولا في الميدان العلمي. الفضل الوحيد الذي يقرّ لهم يكمن في تخليص المسلمين من العيش في الإهانة تحت قبضة الروامه. تسيير البلاد كان مهملا والسكان متروكين في حال سبيلهم. فكان تفتقر البلاد إلى أدنى وسائل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية: لا طرق معبدة ولا مدارس ولا مستشفيات ولا توفير وسائل الري الزراعي. ومن هنا كانت المجاعات والأمراض والأوبئة فتاكة في صفوف الأهالي الذين كانوا يعيشون في ظروف مادية شبه معدومة.

      نظرا للوضعية الموصوفة سابقا، ولسدّ الفراغ التعليمي والديني والثقافي والوقائي، أخذ مشائخ الزوايا على عاتقهم فتح الكتاتيب لتعليم القرآن العظيم واللغة العربية لمحو الأمية ولبث ما يمكن من تفقه في الدين والمعرفة بصفة عامة، وفتح بيوت الرّحمة داخل الزوايا للفقراء وأبناء السبيل والعاجزين. وكانت الزوايا مركزا يلتقي فيه أهل الفكر والإصلاح ذات البين وأهل التوجيه والنصيحة للأمة حتى تحافظ عن كيانها المعنوي عسى أن تتاح الفرصة للنهضة الشاملة. ففي هذه الوضعية الاجتماعية والجيوسياسية، ولد سنة 1737 بالجزائر، بقرية عين ماضي (460 كم من الجزائر العاصمة)، المؤسس للطريقة التجانية، الشيخ سيّدي أحمد التجاني.


 

[1] في سنة 929 شن القرامطة هجوم على الحرم المكي وقتلوا الحجاج وقتلعوا الحجر الأسود.

[2] الحضارة العربية ص_244 «la Civilisation Arabe»  _    

 


الشيخ سيدي أحمد التجاني

(1815/1737)

هو أحمد بن محمّد (فتحا)، بن المختار، بن أحمد، بن محمّد، بن سالم. وكان أسالفة كلهم منتسبين لأهل العلم ومشهورين بالتقى والصلاح. أما أمّه فهي السيدة عاشئة بنت السنوسي التجاني، نسبة إلى قبيلة بنو توجين التي أعطت اسمها الذي يعرف به الشيخ سيّدي أحمد التجاني. ويصعد نسبه الأبوي إلى سيّدنا الحسن بن الإمام علي، الخليفة الرّاشد الرّابع، وحفيد النبي سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم من انته السيدة فاطمة الزهراء.

عرف عنه أنه حضي بذكاء حاد وفراسة الكبار ، وحفظ القرآن العظيم في السابعة من عمره. وما بلغ الخامسة عشرة من عمره حتى أتمّ الدراسة بعين ماضي على يد الأستاذ سيّدي المبروك بن بوعافية. وقد تمكن من دراسته بـ: مختصر خليل والرسالة لابن القيم ومقدمة ابن رشد وكذلك تحصل على كل ما يلزمه من علم نحو واللغة وصار جديرا بالفتوى.

      نظرا لنضجه المبكر على الصعيدين البدني والفكري، أسرع والداه في تزويجه قبل أن يلقيا وجه خالقهما إثر موت مفاجئ بالطاعون. وقد أثرت هذه المصيبة العظمى في اختيار الصبي الناسك في الميل بكل كيانه إلى البحث عن الحقيقة والتي ساقته إلى اختيار المنهجية الصوفية في سعيه الدائم إلى معرفة ربه لقوله تعالى في سورة العنكبوت: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين (69)." وقبل أن ينطلق في سفره لطلب العلم والمعرفة الظاهرة والباطنة، بدأ الشيخ التجاني بالواجب المقدّس في نشر العلم في مسقط رأسه، حمدا وشكرا لربّه القائل، " لئن شكرتم لأزيدنكم ".

      وبعد مضي ثلاثة سنوات قضاها في التعليم بعين ماضي،  قام الطالب سيّدي أحمد التجاني بجولة طويلة بين 1758 و 1763 م، قطع فيها ربوع الصحراء وبلاد المغرب الأقصى قاصدا مراكز العلم وملتمسا للمعرفة والحكمة من أربابها. وخلال هذه الفترة، أخذ الطريقة القادرية وأجيز فيها بمدينة فاس وكذلك أذن له في ذكر أوراد الطريقة الصديقية بنفس المدينة. وفي أخر هذة المدّة التقى بالولي الصالح سيّدي أبي الحسن الونجلي، الذي بشره بنيل مقام الشيخ سيّدي أبو الحسن الشاذلي وقال له أن مكان بلوغك مقام الفتح هو بالصحراء، دون أن يحدّد له عين المكان. إثر هذا النباء، رجع سيّدي أحمد التجاني من بلاد المغرب واستقرّ بزاوية أولاد سيّدي الشيخ الكائنة بقرية الأبيض سيّدي الشيخ، ومكث بها خمسة سنوات (1763/1767). ثمّ ارتأى أن يذهب إلى مدينة العلم تلمسان التي مكث بها خمس سنوات (1768/1772)، قضاها في التدريس. وفي سنة 1773 م عزم على أداء فريضة الحجّ. فمرّ بجبل جرجره بالقبائل الكبرى حيث زار الولي الشهير أبي عبد الله سيّدي محمّد بن عبد الرّحمن الذي لقنه الطريقة الخلوتيه التي أجازه فيها الشيخ الحفناوي الذي كان أجاز فيها أيضا شيخ الإسلام سيّدي محمود الكردي المقيم بالقاهرة. ثمّ  واصل سيره نحو تونس مرورا ببجايه. وفي العاصمة تونس حيث مكث بضعة أشهر درّس بالجامع الأكبر الشهير بجامع الزيتونة، فأفاد وأفيد من قبل أهل العلم والصلاح. ثمّ واصل سيره نحو الشرق مرورا بمدينة سوسه التونسية قبل أن يصل إلى القاهرة العاصمة المصرية. وبها، كانت له ملاقات مع كبار أهل العلم والمعرفة وعلى رأسهم الشيخ سيّدي محمود الكردي (1715/1780) سابق الذكر، الذي أكرم مثواه وأفاده بعلوم وأسرار وأوصاه بأشياء تفيده في أداء مناسك حجّه وبشره بنيل المرام. وفي مكة المكرمة، تمّ له الإتصال بالواسطة مع الولي الصالح الشهير سيّدي أحمد بن عبد الله الهندي الذي منحه أسراره العلمية والمعرفية ودعا له بالخير وأوصاه. وفي يوم الإثنين التاسع من ذي الحجّة الموافق لـ 20 فيفري 1774 م، كان الوقوف بجبل الرّحمة بعرفه حيث وقف أبو الأنبياء سيّدنا إبراهيم خليل الله عليه السلام ووقف سيّد الأنبياء وخاتم المرسلين سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم. وبعد إتمام مناسك الحجّ المبرور، شدّ الرحيل إلى مسجد نبي الرّحمة للعالمين صلى الله عليه وسلّم وزار قبره الشريف وصلى وسلم وبلغ المنى. ولم يفارق المدينة المنوّرة حتى التقى بالولي الصالح أحد مشائخ القادرية، سيّدي محمّد بن عبد الكريم السمّان (1718/1776) الذي منحه ما شاء الله من علوم وأسرار وبشره بعلوّ المقام. وعند عودته إلى القاهرة أبهر جموع العلماء والصلحاء الذين شهدوا له بما فتح الله عليه من علوم وأسرار المعرفة. وأجازه الشيخ سيّدي محمود الكردي بالتلقين في الطريقة الخلوتية رغم تحفظه ودعا له بالخير والصلاح وفارق مصر راجعا إلى أرض الوطن الجزائر حيث وصل في أخر 1774 م إلى مدينة العلم تلمسان حيث تعرف على أوّل أصحابه ومريديه وأمني سرّه الفقيه العلامة الشيخ  سيّدي محمّد بن المشري السائحي الطيباتي من عمالة تقرت، صاحب كتاب "روض المريد الفاني" ومؤلف الكتاب " الجامع ". ولقنه الطريقة الخلوتية وبقي ملازما له بتلمسان لمدّة سبعة سنوات (1775/1781). وخلال هذه الفترة قام سيّدي أحمد التجاني بزيارة لفاس سنة 1777 م. وفي طريقه التقى بمدينة وجده الحدودية مع تلميذه الثاني والممتاز العارف بالله سيّدي علي حرازم ولقنه الخلوتية وطلب منه أن يبقى ملازما لها حتى يأتي أمر الله. وفي سنة 1781 م رحل سيّدي أحمد التجاني ورفيقه سيّدي محمّد بن المشري من تلمسان إلى قصر أبي سمغون بولاية البيّض في الجنوب الغربي الجزائري. وفي هذا القصر ذات يوم من أواخر سنة 1781 م (1196 ه)، بلغ مراده الذي بشره به سيّدي أبو الحسن الونجلي قبيل نحو عشرين سنة مضت. فكان الفتح الأكبر المفاجئ حيث صرّح بأنّه رأى سيّد الوجود سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، في حالة اليقضة[1]. وأفضل أن أنقل لكم ما كتبه سيّدي علي حرازم في كتابه "جواهر المعاني وبلوغ الأماني" الذي طبع سنة 1929 بالمطبعة الأزهرية بمصر، ص_43:

      " …ارتحل إلى ناحية الصحراء سنة سبحانه وتعالى وتسعين ومائة وألف ونزل بقرية القطب الكبير سيّدي أبي سمغون، …، وأقام بها واستوطن وفيها وقع له الفتح وأذن له صلى الله عليه وسلّم في تلقين الخلق بعد أن كان فارا من ملاقات الخلق لاعتنائه بنفسه وعدم ادعاء المشيخة إلى أن وقع الإذن منه يقظة لا مناما بتربية الخلق على العموم والاطلاق وعيّن له الورد الذي يلقنه في سنة 1196. عيّن له صلى الله عليه وسلّم الاستغفار والصلاة عليه صلى الله عليه وسلّم. وهكذا كان أصل الورد في تلك المدّة إلى رأس المائة كمل له الورد صلى الله عليه وسلّم بكلمة الإخلاص. فعند هذا، تنزّل للخلق والإفادة وإظهار الطريقة والاستفادة. وهذا بعد إخباره له بعلوّ مقامه وارتفاع قدره ومكانه وأخبره عليه الصلاة والسلام بفضل هذا الورد وقدره وما أعده الله لمن أحبه من اتباعه وحزبه وسيأتي إن شاء الله مبينا مفصلا في بابه. ولما أذن له صلى الله عليه وسلّم في هذه الطريقة الأحمدية والسيرة المصطفوية النبوية، وفتح الله له على يديه صلى الله عليه وسلّم وأخبره أنه هو مربيه وكافله وأنّه لا يصله شيء من الله إلا على يديه وبواسطته صلى الله عليه وسلّم. وقال له: لا منة لمخلوق عليك من أشياخ الطريقة. فأنا واسطتك وممدّك على التحقيق، فاترك عنك جميع ما أخذت من جميع الطريق وقال له ألزم هذه الطريقة من غير خلوة ولا اعتزال عن الناس حتى تصل مقامك الذي وعدت به وأنت على حالك من غير ضيق ولا حرج ولا كثرة مجاهدة واترك عنك جميع الأولياء". وأضاف له فيما بعد بأن من شروط هذه الطريقة الإنفراد بها وعدم ترك وردها إلى الممات. وعلى كل، عرفت الطريقة التجانية انتشارا قويا في ظرف ستة سنوات حيث بلغت منطقة سوف في الجنوب الشرقي الجزائري، بواسطة أوّل مقدّم للناحية، سيّدي محمّد الساسي القماري المتوفى سنة 1825 م. وقد أمر الشيخ سيّدي أحمد التجاني جماعة من أهل سوف وفدوا لزيارته سنة 1788 م، ببناء زاوية بقمار. وتمّ تشييدها سنة 1789 م في موقعها الحالي الذي كان يمثل نقطة عبور للراحلين إلى تونس لطلب العلم بجامع الزيتونة أو القاصدين الحجّ إلى بيت الله الحرام. وأثارت سرعة انتشار هذه الطريقة الجديدة، مخاوف السلطات العثمانية ببايليك الجزائر[2] ووهران. وأدى بهم تخوفهم إلى إصدار تهديد شديد اللهجة لأهل قصر أبي سمغون لإخراج الشيخ سيّدي أحمد التجاني من بين أظهرهم إذا أرادوا السلامة من بطشهم. فعند هذا التهديد، فضل الشيخ سيّدي أحمد التجاني الخروج من هذا القصر رغم احتجاج أهله الذين ناشدوه بالبقاء معهم ووعدوه بحمايته بأموالهم وأرواحهم، إلا أنه فضل لهم العافية شفقة بهم وخرج في 28 من شهر أوت 1798 قاصدا مدينة فاس التي دخلها يوم 17 سبتمبر من نفس السنة. ووجه سيّدي أحمد التجاني رسالة إلى مولاي سليمان سلطان المغرب ليستأذنه في الإقامة بفاس. فأجابه إلى مطلوبه ولكن استدعاه إلى مناظرة كبار العلماء بفاس على مختلف مذاهبهم وأمزجتهم. وبعد جهد ومجاهدة، تبين مقامه السامي في شرف العلم وشرف الولاية الربانية، فأذعنت أولوا العرفان. وبالتالي صار مولاي سليمان من بقية مريديه بعد تلقينه الطريقة التجانية. وهكذا استقرّ الشيخ سيّدي أحمد التجاني مدينة فاس مدّة 17 سنة (1798/1815) بعدما قضى 17 سنة بأبي سمغون بالجنوب الجزائري (1781/1798). واستفاد الشيخ سيّدي أحمد التجاني من إقامته بفاس التي كانت تعدّ أنذاك أوّل مركز للتعليم العالي بحكم نشاط جامعة القرويين التي أنشأت سنة 860 م وتعتبر أقدم جامعة في العالم الإسلامي. وبالفعل انخرط في طريقته الكثير من خرجي القرويين مثل سيّدي الطيب السفياني وسيدي محمّد الغالي وغيرهم وصاروا من أركان الطريقة. ولم تمضي شهرين من إقامته بفاس حتى صدر الأمر من الشيخ التجاني إلى صاحبه الأول سيّدي علي حرازم بجمع تعاليمه التي دوّنها بعض أصحابه من خلال إملاءاته. وبدأ في جمع المعلومات حول منتصف شهر نوفمبر 1798 م. وشق عليه أمر هذا التكليف نظرا لكون أغلب المخطوطات المدوّنة بكلام الشيخ سيّدي أحمد التجاني كانت قد أحرقت من ذي قبل بأمر من مؤسس الطريقة الذي كان يخشى كثرة الجدال والفتنة. ولكن بعدما ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلّم سلامة العاقبة، كلف سيّدي علي حرازم بهذه المهمّة الصعبة، دون سواه. وفي أوّل أفريل من سنة 1800 م تمّم سيّدي علي حرازم كتابة كتابه الشهير "جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيّدي أحمد التجاني" والمعروف عند الكثير بالكنش أو الكناشي. وقرأه الشيخ سيّدي أحمد التجاني وأقرّ ما جاء فيه وصادق عليه بخط يده. وبعد ذلك أجاز سيّدي علي حرازم بأعلى مرتبة في طريقته وأمره بأداء فريضة الحجّ وكلفه بتربية بعض الأصحاب في طريقه إلى البقاع المقدسة. ومن الذين انخرطوا على يده في سلك الطريقة التجانية، العلامة الشريف سيّدي إبراهيم الرياحي مفتي الديار التونسية، وتمّ ذلك سنة 1802 م. وبالقرب من بيت الله الحرام التقى سنة 1803 م (1217 ه)، سيدي علي حرازم  بالعلامة سيّدي محمّد الحافظ العلوي الشنقيطي ودله على مؤسس الطريقة التجانية ليأخذ عنه. وأخذ عنه الطريقة التجانية في نفس السنة بفاس حيث مكث بين يديه مدّة التربية التي توّجت بإجازة في تلقين الطريقة وتعيين عدد محدد من المقدمين. وقام الشيخ سيّدي محمّد الحافظ بنشر الطريقة في موريتانيا ومنها انتقلت إلى إفريقيا على يد مولود فال (1774/1818) من ترارزا الذي لقن سيّدي عبد الكريم بن أحمد النقيل الفوتي الذي لقنها للحاج عمر الفوتي سنة 1825 م. وبالمدينة المنوّرة التقى هذا الأخير بأحد أكابر مقدمي الطريقة التجانية ومن خاصة المقربين من مؤسسها، الشريف العلامة سيّدي محمّد الغالي الذي نشر مدّة حياته هناك الطريقة التجانية وأجازه إجازة مطلقة وكلفه بنشر الطريقة في بلاده وأشار عليه بتأسيس دولة. وبالفعل وفق الشيخ الحاج عمر الفوتي من تأسيس دولة تجانية ما بين 1846 و 1864 م تاريخ وفاته. وقد شملت هذه الدولة الفتية ما يقارب من اثنا عشرة دولة إفريقية حالية تمتدّ من مالي إلى غانا مرورا بالسنغال ونيجر ونيجريا ووسط إفريقيا. واصطدمت هذه الدولة مذ نشأتها بقوات الاحتلال الفرنسي بقيادة الكلونيل أرشينار والانجليزي. ودمّرت هذه الدولة وقتل الآلاف من رجالها وهاجر إلى البقاع المقدسة، الكثير من أكابر رجالها ومن ضمنهم الشيخ العلامة الفقيه الفا هاشم (1866/1939) ابن أخ الحاج عمر الفوتي. ولكن أعطت رغم قصر عمرها، دفعة قويّة لنشر الطريقة التجانية في وسط وغرب إفريقيا والتي بقيت في التوسّع رغم مخططات الاستعمار الأوروبي. 


 

[1] جاء في الحديث رقم 6592 من صحيح البخاري: " من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة. ولا يتمثّل الشيطان بي." وجاء في الحديث رقم 6593: " من رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتخيّل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة."

[2] في عهد الداي مصطفى باشا الذي بدأ حكمه سنة 1795 وانتهى باغتياله سنة 1805.


 


الجـدال حول الطريقة التجانية

 فإنّ مخاوف الجدال حول تعاليم الطريقة التجانية قد نشبت في حياة مؤسس الطريقة الشيخ سيّدي أحمد التجاني. فلا ننسى أن مؤسس الحركة الوهابية السيد محمّد بن عبد الوهاب (1703/1787) كان من معاصري الشيخ التجاني. وقد نهى أصحابه عن الرّد بالعنف ولم يرضى إلا بالمجادلة بالتي هي أحسن[1]. وحسب ما جاء في كتاب روض المحبّ الفاني لسيدي محمّد بن المشري السائحي، فإن بعض أصحابه كان يجادله وهو يردّ عليه بالحجج حتى تبيّن له أنه مغرض فتركه وسبيله. وكان من دأب الشيخ التجاني أن يجيب عن جميع أسئلة أصحابه مهما كان نوعها ويحتجّ بالنصوص القرآنية أو بالحديث ولم يخرج من هذا المنهج. ويعترف له الكثير من الباحثين المنصفين ببعد نظره وشجاعته في الدفاع عن تعاليمه وإن تظهر في بدء الأمر مخالفة للشرع لمن ليس له تمام المعرفة بالأدلة الشرعية. وقد سأله بعض أصحابه هل يكذب عليك؟ فأجاب قائلا: : نعم، إذا سمعتم عني شيئا فزنوه بميزان الشرع؛ فإن وافق، فاعملوا به وإن خالف، فاتركوه". وأوّل من شنّ أعنف هجوما على الشيخ سيّدي أحمد التجاني وطريقته، هو السيد محمّد بن حبيب الله الكميالي المسمي " دييجا" المتوفى سنة 1855م. وانتقد في مخطوطه تحت عنوان " سيف النجاة والهدى في قطع أعناق البغات والعدى"، 15 نقطة من تصريحات مؤسس الطريقة التجانية. واجاب عليه سيّدي محمّد بن محمّد بن محمّد الصغير انبوجه المعروف بـ سيّدي عبد الله بن محمّد الصغير أنبوجه. وقد كتب في أوّل الأمر "سرية الحقّ والانتصار في الذبّ عن أولياء الله الأخيار" ثمّ كتاب "الجيش الكفيل في أخذ الثار من، من سلّ على الشيخ التجاني سيف الإنكار". وقد ردّ الشيخ الحاج عمر الفوتي بكتابه الشهير "رماح حزب الرّحيم على نحور حزب الرّجيم". وأما ثاني الهجومات العنيفة، فكانت للسيد محمّد الخضير بن مايأبى الجكاني المولود في موريتانيا والمتوفي سنة 1934 بالمدينة المنوّرة حيث تقلد منصب مفتي المالكية. وكتب هذا الأخير كتابا أسماه " مشتهى الخارف الجاني في ردّ زلقات التجاني الجاني" الذي طبع بالقاهرة سنة 1927 وأعيد طبعه سنة 1985 بعمّان عاصمة الأردن. ونحى نحوه تلميذه السيد ابراهيم الكتان. وأثارت هذه الهجومات على الطريقة ومؤسسها، هجومات مضادة من قبيل الكثير من رجال الطريقة ونكتفي بذكر بعض من هؤلاء:   الشيخ محمّد الحافظ (1897/1978) بن عبد اللطيف، التجاني الأزهري المصري تحت عنوان " ردّ أكاذيب المفترين على أهل اليقين ". وللشيخ محمّد الحافظ أكثر من ألف تأليف في الطريقة التجانية بين كتب ومطبوعات مختلفة منها المجلة الشهرية " طريق الحقّ ".

  •   الشيخ بويا أحمد (1882/1960) بن المختار بن بو عصرية بكتابه " قرّة عين المريد الفاني ".

  •   سرينيي سيّدي محمّد نياس (1881/1956) أحد أركان الطريقة التجانية بالسنغال

  •   أمّا السيّد أحمد بن اسماعيل الوالي (1810/1881)[2] لم يكن من رجال الطريقة التجانية بل ينتمي إلى الطريقة الاسماعلية التي أسسها والده بالسودان إلا أنه أبى إلاّ أن يدافع عن مؤسس الطريقة التجانية بكتاب عنوانه: " Satisfaction for the one who is exhausted by replying to those who attack the cognizant al Tijani " وقد يترجم إلى " قرّة عين من هو مطالب بالرد عن هؤلاء الذين يتهجمون عن العارف بالله التجاني" والذي طبع بعد سنة 1900.

والجدير بالذكر هو صمود الطريقة التجانية في وجه كل الهجمات والغارات التي تشنّ عليها منذ أنشائها من قبل أفراد أو مؤسسات منظمة. وعوضا أن يتراجع صيتها من جراء الدعاءات والحملات المشوّهة لحقيقتها إلا أن النتيجة هي استمرار توسّعها عبر العالم الإسلامي بدون استثناء ولم يقتصر نشرها في بلدان إفريقيا. بل هي موجودة الآن حيث يوجد الإسلام بنسب متفاوتة. وهذا يدل على حياويتها وصدق طلبها وصحة مرجعيتها وتلبيتها لآمال المريدين الذين يجدون في السلوك بها راحة روحية وثقة في النفس والقيام بالتكيف مع تطورات العصر بدون تناقضات نفسية ولا عقائدية رغم التحولات الفكرية والاضطرابات الاجتماعية التي نعايشها يوميا. فتجد الطريقة التجانية تشمل جماعات مسلمة تنتمي للمذاهب الإسلامية الأربعة على اختلاف ثقافاتهم ألسنتهم ومستوياتهم الاقتصادية واختلافاتهم السياسية. وسرّ انتشار الطريقة رغم الحواجز المفروظة، يكمن في نوع توجيه خطابها للفرد الإنساني. فهي تكتفي بعرض نموذج سلوكي ديني واجتماعي مقتبس من الكتاب والسنة على الأفراد. ومن أقبل عليها بتقبله لشروطها الأساسية: (الانفراد بها وعدم ترك أورادها وعدم زيارة الأولياء غير التجانيين) يطلب منه الوفاء بالعهد المعنوي لا أكثر حيث العهد كان مسؤلا. وقد سن مؤسس الطريقة التجانية سنة حسنة في تعيين مقدمين نوّابا عنه في كل إقليم حتى لا يتدخل البعض في شؤون إقليم آخر تفاديا للانعكاسات والحساسيات السياسية. وأعطى رضي الله عنه المثال طيل حياته في الجزائر وفي المغرب بعدم التدخل في المسائل السياسية. وقد أخرجه البيات العثمانيون من بلاده ولم يحاول الانتقام منهم بإثارة الفتن. بل كان مسالما يحث أتباعه على تقوى الله والإخلاص في العمل ولزوم الجماعة وبذل النصيحة لله وللرسول ولأولى الأمر والإصلاح ذات البين.


[1] في هذا الصدد أنظر رسالة الشيخ إلى سيدي محمّد بن المشري وسيدي محمود التونسي وسيدي إبراهيم الرّياحي في شأن ردّ  هذا الأخير على السيّد ميلي المصري الذي طعن في الشيخ سيّدي أحمد  التجاني وتهمه بالاعتزال، كتاب كشف الحجاب للشيخ أحمد  سكيرج ص 135 & 136.

[2] أنظر ص_396 من كتاب "La Tijâniyya , une confrérie musulmane à la conquête de l’Afrique  " للمؤلفين جان لوي ترييو & دفيد روبينسون

 


خلافة الشيخ سيدي أحمد التجاني

مؤسس الطريقة التجانية

 يروى أن ثلاثة أيام قبل وفاة الشيخ سيّدي أحمد التجاني بفاس (الخميس 21 سبتمبر 1815 م) كان في مجلس اجتمع فيه بسيّدي الحاج علي التماسيني والمقدمين سيّدي أحمد بن سليمان التاغزوتي وسيّدي الطاهر بن عبد الصادق القماري. فأخبرهم الشيخ بأن وفاته وشيكة وتوجه بالكلام إلى سيّدي الحاج علي قائلا: " إنّ أمرنا هذا يتلقاه حيّ عن حيّ مشافهة وإنما أنت الخليفة عليه من بعدي". فقال سيّدي الحاج علي: " إني لا أستطيع يا سيّدي حمله". فقال الشيخ: " هكذا حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم". وهناك تكلم كل من سيّدي الطاهر بن عبد الصادق القماري وسيدي أحمد بن سليمان التاغزوتي، فقالا: " يا سيدنا هل نبايعه نحن على ذلك؟ فقال رضي الله عنه :" نعم ".فتقدما ساعتئذ إلى سيّدي الحاج علي، فبايعوه. كل ذلك منهما في حضرة سيّدنا الشيخ على مسمع ومرئى منه في ذلك المجلس[1]. وإثر هذه المراسيم الوجيزة في نقل سرّ الخلافة، أوصى الشيخ سيّدي أحمد التجاني خليفته الإمام التماسيني عن داره وعن وأولاده سيّدي محمّد الكبير (18 سنة) وسيدي محمّد الصغير المعروف بسيدي محمّد الحبيب (14 سنة) وأكدّ عليه بإعادة أبنائه إلى بلادهم بعد وفاته قائلا له: " إنّ أبنائي لا تليق بهم إلاّ الصحراء". وبعد إتمام الوصية كتابيا وشفويا، كلف الشيخ خليفته بمهة تبعده على فاس وطلب منه عدم حظور مراسيم جنازته لأمر ما. وربما كان يعني أن الرجال تزول وأنّ الطريقة تبقى للأجيال بإذن الله. أمّا سيّدي محمود التونسي الذي كان من أكابر أصحابه وخواصه، فإنه كان هو الأخر في فراش الموت بحيث التقى بالرفيق الأعلى 48 يوما بعد وفاة شيخه. ويذكر أنه قد أقرّ لسيدي الحاج علي استحقاقه للخلافة العظمى وورثه هو الأخر في جميع ما يملك من متاع الدنيا.


 

[1] هذا ما جاء في كتاب (غرائب البراهين) لابن المطماطية، ص_91


سيدي الحاج علي التماسيني الخليفة الأعظم لمؤسس الزاوية (1815/1844)

 هو علي بن الحاج عيسى (شريف حسني) وابن السيدة فاطمة بنت الزين. ولد سنة 1766 م بقرية تماسين (ولاية ورقلة) والتي تبعد 650 كم من الجزائر العاصمة و500 كم من مقرّ زاوية عين ماضي. وامتاز منذ طفولته بحسن السلوك والأخلاق الكريمة وقد ألبس لباس التقوى، واشتهر بحبّه للعلم وقوّة عزيمته في الكدّ والعمل من أجل الكسب الحلال. وشعاره الذي اشتهر به هو: " اللويحة والمسيحة والسبيحة حتى تخرج الرّويحة". وهي رموز طلب العلم والعمل والعبادة طيلة الحياة. وقد حذق القرآن صغيرا ودرس الفقه والنحو والصرف بمسقط رأسه. وإن كان مستوى التعليم الذي حصل عليه متواضعا، إلا أنه كان كافيا لأداء واجباته الدينية. ومنذ شبابه مال إلى طريق الصوفية وسلك مسلكهم في الزهد والتقوى وطلب المعرفة. وكان شعاره الذي اشتهر به هو: " اللويحة والمسيحة والسبيحة، حتى تخرج الرّويحة ". وترمز هذه الثلاثة إلى الحث عن العلم والعمل والعبادة طيلة الحياة. وكان هذا الرجل العملي يفعل ما يقوله ليكون أسوة لمن معه من أولاد وأصحاب. ولا غرابة في ترقيه السريع في سلم المعرفة والحكمة عندما تمّ لقاءه مع العلامة سيّدي محمّد بن المشري سنة 1788 م وأخذه "الأمانة" عنه. وفي هذا الشأن، يذكر أن الشيخ سيّدي أحمد التجاني قد أمر أمين سرّه بالتجوّل في بلاد الصحراء ليبلغ "أمانة " أودعها إياه إلى من يطلبها منه دون إشعار مسبق. وأضاف قائلا أن صاحبها يكون له شأن عظيم وتكون داره عامرة. وسنة بعد هذه الحادثة، التقى بوفد أهل سوف برآسة المقدم التجاني سيّدي محمّد الساسي القماري، في طريقهم إلى زيارة شيخهم بعين ماضي. فقام بواجب القرى نحوهم ووعدهم بأن يصحبهم العام المقبل عند زيارتهم السنوية إلى مؤسس الطريقة التجانية. وأنجز الله له مقصده وأخذ الطريقة عن الشيخ سيّدي أحمد التجاني في النصف الثاني من شهر أوت 1790 م (1204 ه) بعين ماضي. ولم تمضي 13 سنة من انخراطه في الطريقة التجانية حتى بلغ أعلى المراتب بها وعمره لم يتجاوز 37 سنة، حيث أجازه شيخه بالإطلاق في تلقين أورادها وتعيين من هو أهل لتلقينها، وأجازه بالتربية الرّوحية وأمره بفتح زاوية بتماسين سنة 1803م. وناسبت ترقيته هذه، وفاة سابقه فيها، العارف بالله سيّدي الحاج علي حرازم الذي توفي آخر ذي الحجة 1217 ه ببدر بعد أن أتم مناسك الحج. ولما تكاثر الوافدين عليه في قرية تماسين، وصارت زاويته غير قابلة للتوسعة، أمره شيخه بنقلها حيث يسعه بناء زاوية جديدة. فاختار موقع تملاحت لبناء زاويته الجديدة التى دشّنها سنة 1805 م. ومنذ ذلك التاريخ وهي قطب القاصدين لها من تجانيين وغيرهم طلبا للعلم والتلقين والمعرفة. وإثر وفاة مؤسس الطريقة ووراثته له سنة 1815 كما ذكرنا سابقا، وفدت على زاوية تملاحت الآلاف من المقدمين والمريدين لمبايعته والتماس الدعاء الصالح والتوجيه والنصيحة.

وفي هذا السياق زاره سنة 1823 العلامة سيّدي ابراهيم الرياحي (1766/1850) وبعد المقابلة، بايعه وطلب منه الإجازة الكبرى فأجازه. ثمّ كاتبه بعض كبار المقدمين التجانيين المغاربة من أجل المبايعة والإجازة. فأجاز منهم سيّدي العربي بن السائح صاحب كتاب " بغية المستفيد " (1812/1892). وقد أجاز الكثير من المقدمين بالإجازة الكبرى المسماة بالإطلاق، في الجزائر وتونس والمغرب ولنذكر من ضمنهم:

في الجزائر:                          

  •  سيّدي الطاهر بن عبد الصادق القماري (م_1850)

  •  سيّدي أحمد بن سليمان التاغزوتي وابنه  سيّدي محمّد

  •  نجليه سيّدي محمّد العيد (1815/1875) وسيدي محمّد الصغير (1817/1882)

  •  سيّدي محمّد بن الصديق السائحي بالطيبات

  •  سيّدي لخضر بن حمّانه القماري و سيّدي عبد الله بدّه القماري

  •  سيّدي أحمد بن سالم بالبياضة

  • سيّدي الطاهر بن بو طيبة التلمساني (م_1878)

  • سيّدي ابراهيم البربري من سوق أهراس

  •  سيّدي عبد الله بده (يجيز 50 مقدما)

  •  سيّدي محمّد بن محمود بن المطمطية

في تونس:

  • سيّدي ابراهيم الرّياحي

  • سيّدي عمر العلواني القيرواني

في المغرب:

  • سيّدي العربي بن السائح العمري

  •  سيّدي أبو عبد الله أكنسوسي بمراكش

  •  سيّدي بوعزة نجل سيّدي  علي حرازم الفاسي (يجيز 50 مقدما)[1]

أمّا عدد المقاديم الذين أجازهم بدرجة دون الإطلاق فلا يحصى عددهم وإنما نذكر بعض المشاهير منهم: سيّدي محمّد بن العلمي من لعليا، وسيدي عبد بن عقبه القماري والذي ذاع صيته عبد اللاوي من ناحية تقرت. لقد عاش هذا الاخير بصحبة سيّدي محمّد الحبيب التجاني نجل مؤسس الطريقة، بزاوية عين ماضي، ما يقرب ربع قرن. وبعد وفاة سيّدي محمّد الحبيب يوم 10 مارس 1853 استطاع استنساخ الكثير من مراسلات شيخ الطريقة ومن الوثائق المختلفة التي تسلمها منه العلامة العارف بالله سيّدي أحمد سكيرج (1878/1944)، الذي في رصيده تأليف ما يزيد عن المئة كتاب في الطريقة التجانية.

      والجدير بالذكر هو اتساع سند سيّدي الحاج علي التماسيني في نشر الطريقة التجانية، بحيث يطلق على سنده، السلسلة الذهبية، تسمية توافق الحقيقة المعترف بها لدى الباحثين في شؤون الطريقة والذين يؤكدون بأن سند الإمام التماسيني يمثل 80  % من جملة الاسندة التجانية. يصعب على المرء تحديد حوصلة العمل الجبار الذي قام به الإمام التماسيني خلال ثلاثين سنة في منصب خليفة الشيخ سيّدي أحمد التجاني. ولكن يمكن ذكر ما اهتم به المؤرخون التجانيين:

     أعاد سنة 1816 أسرة الشيخ سيّدي أحمد التجاني بما فيهم أبنائه من فاس بالمغرب إلى عين ماضي بالجزائر، وذلك تنفيذا لوصاية شيخه. وأعان نجلي الشيخ، سيّدي محمّد الكبير(1897/1827) وسيدي محمّد الحبيب (1801/1853) في بناء زاوية مزدهرة وعيّن لهم مجلسا من أهل العلم والحكمة والصلاح ليستعينوا برأيهم في إدارة شؤونهم ومصالح الزاوية والعلاقات العامة. ولم تمضي بضع سنوات حتى شاع صيت زاوية عين ماضي في الآفاق، الشيء الذي أزعج السلطات العثمانية ببايليك وهران والجزائر وأثار تفاعلهم للإساءة إلى أبناء الشيخ التجاني.

لما استبانت مؤامرة باي وهران اتجاه نجلي الشيخ سيّدي أحمد التجاني[2]، خلال سنة 1822، قرّر سيّدي الحاج علي نقل النجل الأكبر للشيخ سيّدي محمّد الكبير، إلى تماسين ليقيم مدّة بحضرته، ونقل سيّدي محمّد الحبيب  إلى قصر أبي سمغون، بقصد ابعادهم عن محاولات الباي في النيل منهم. واغتاض باي وهران من اعراض سيّدي الحاج علي وانكشفت نيته السيّئة بشنه غارة عسكرية على عين ماضي ولكنها باءت بالفشل. وبعد سنة ونصف عاد أبناء الشيخ إلى زاويتهم بعين ماضي وأعاد باي وهران الكرّة في المخادعة والمكر حتى نجح في اتستدراج سيّدي محمّد الكبير في الخوض في تحالف مزعوم مع بعض قبائل الحشم من ناحية معسكر من أجل محاربة باي وهران لردعه من تجاوزاته. وناشد سيّدي الحاج علي التماسيني نجلي الشيخ بعدم الخوض في هذه المغامرة التي هي مخادعة لهما. فامتثل  سيّدي محمّد الحبيب لنصيحة الخليفة التماسيني، وأصرّ سيّدي  محمّد الكبير على المضي قدما مستمعا لأقوال المخادعين له. وسار نحو مصيره على رأس ثلاث مئة رجل من أنصاره الأرباع حتى وصلوا قرية سيّدي غريس قرب معسكر. وهناك تخاذل الحلفاء الحشم وتبين للجميع حجم الخيانة والخديعة. وأبى سيّدي محمّد الكبير ومن معه أن ينسحب من ساحة القتال خوفا من عار الفرار، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ونظرا لعدم المعادلة بين الطائفتين لم يكن هناك إلا النتيجة المحتومة لإبادة جماعية.

     جعل زاويته بتماسين ثمّ بتملاحت، مركزا تعليميا لتحفيظ القرآن ولنشر العلوم القرآنية والفقهية واللغوية وغير ذلك. وقائمة العلماء الذين أقاموا بزاويته للتعليم طويلة ونذكر من ضمنهم سيّدي التجاني بن بابا الشنقيطي صاحب " متن منية المريد " الذي شرحه سيّدي العربي بن السائح.

     استصلح أراضي تملاحت (المالحة باللغة البربرية) التي كان يعتقد سكان البلاد لمدة قرون عدم صلاحيتها للفلاحة. وأعطى أروع الأمثلة في العزيمة بتبديل الطبيعة ولم يفارق الدنيا حتى غرس أزيد من أربعة عشرة ألف نخلة. ولمن اتاه يطلب منه تعليمه علم الكمياء، استصحبه إلى أحد البساتين وأخذ المسحة وقلب بها الأرض قائلا له: " أخدم الأرض تعطيك ".

أنهى سنة 1838 الصراع القائم بين سيّدي محمّد الحبيب نجل شيخ الطريقة التجانية والأمير عبد القادر نجل سيّدي محيّ الدّين الشريف الحسني، من أكابر مقدمي الطريقة القادرية في الغرب الجزائري. وقد حاصر الأمير بجيش يفوق العشرة الآف عسكري، معزز بالمدفعية، قصر عين ماضي حيث تحصّن سيّدي محمّد الحبيب التجاني ومعه ما بين ثلاث مئة وستة مئة رجل قادرين على حمل السلاح. وبعدما طال الحصار ستة أشهر، أرسل سيّدي الحاج علي نجدة إلى ابن شيخه تتكون من عشرة أفراد وبين إلى سيّدي محمّد الحبيب طريقة الخروج من الأزمة بدون إرهاق قطرة واحدة من الدم. ويروي وقائع هذه القضية بإنصاف الأمير سيّدي محمّد نجل الأمير عبد القادر في كتابه " تحفة الزائر " الذي طبع سنة 1903 بالإسكندرية في مصر. ويحتوي رقم 96 من مجلة الرؤيا ص_71، على دراسة ماجستير للسيد تلمساني بن يوسف موضوعها: الأمير عبد القادر والتجانية. وعلى كل حال انتهى الخلاف بين الرجلين بمصالحة تامة لا شبهة فيها ويؤكد ذلك رسالة اعتذار بخط يدّ الأمير عبد القادر على ما صدر منه وينسب ذلك إلى وشاية المغرضين والهدايا التي بعث بها إلى سيّدي محمّد الحبيب والتي هي محفوظة إلى اليوم بعين ماضي   أقام علاقات طيّبة مع القبائل والأقليات الصحراوية: الاباضية بورقله (بني مزاب)، الشعانبه بورقله ومتليلي، أسعيد أولاد عتبة وأولاد عمر بورقله والحجيرة، أولاد جامع، أولاد عبد الله، أولاد مولات، الرواغه، السوافه وبعض طوائف التوارق. ولم يكن له موقف معادي وهو الحالة الاستثنائية إلا سنة 1839 من قبل الشيخ عبد الرّحمن  بن عامر سلطان تقرت الرّابع والثلاثون من الأسرة الحاكمة لابن جلاب. وكان طفلا يحكم تحت وصاية والدته الشيخة لالة عيشوش وجماعة من الاعيان. وكان تدخل سيّدي الحاج علي في هذا النزاع كرها لولا واجبه الشرعي في الدفاع عن "وطنه" قرية تماسين التي كان يحكمها أمير معارض من أسرة بن جلاب، وقد شق فرع أسرة بن جلاب بتماسين عصى الطاعة لسلطان تقرت منذ عصور وكانت الحروب لا تكاد تخمد بين الطائفتين حتى تشتعل من جديد. وقد سجّل عن سيّدي الحاج علي قولته الشهيرة في باب العدى: " ليس لي عدوّ سوى الشيطان لقوله تعالى: فاتخذوه عدوّا." والمعروف عن القادة التجانيين أنهم لا يلجؤون إلى المواجهة المسلحة إلا دفاعا عن النفس بعد نفاذ جميع المحاولات السلمية.

    قد يكون سيّدي الحاج علي التماسيني قرير العين عشية وفاته يوم الثلاثاء 12 مارس 1844 بما حققته الطريقة من توسّع شرقا وغربا وجنوبا لولا تحيّره من دخول قوات الاحتلال الفرنسية مدينة بسكره (230 كم من تماسين) يوم 04 مارس 1844، أي أسبوع قبل مفارقته لهذه الدنيا. وقد اختار لخلافته نجل سيّدي محمّد العيد الذي كان عمره لا يتجاوز 29 سنة، وابعد ابنه الأكبر سيّدي حميده (60 سنة) الذي أبى أن يرضى بهذا الأمر الواقع رغم الرسالة التي كتبها سيّدي محمّد الحبيب نجل مؤسس الطريقة وبعث نسخا منها إلى كبار المقدمين والأعيان للطريقة في كل مكان. ولم تنتهي هذه الأزمة حتى قدم سيّدي محمّد الحبيب التجاني من عين ماضي إلى تماسين بعد سنة كاملة من تاريخ وفاة سيّدي ا لحاج علي.


 

[1] أجازه بطلب من سيّدي محمّد الحبيب التجاني، أنظر ص 219 من كتاب كشف الحجاب لسكيرج

[2] أرسل بي وهران إلى أحد مقاديم التجانية بالآغواط يطلب منه التوسط في الاتيان بنجلي الشيخ التجاني ليكرمهم ويتبرك بحضورهم لديه في وهران. وعارض سيّدي الحاج علي هذه الخطة مثل ما ذكرها الكاتب الشيخ أحمد  سكيرج في كتابه "كشف الحجاب" لما ترجم للامام التماسيني.

 


الشيخ سيدي محمد العيد

 أول خليفة للتماسيني (1844/1875)

بدأ سيّدي محمّد العيد خلافته لأبيه بعد مبايعته من قبل مجلس دار الإمام التماسيني الموسّع لكبار المقدمين والأعيان التجانيين. وكانت المعارضة الوحيدة من قبل أخيه الأكبر سيّدي حميده. لكن الموقف الفصل لسيّدي محمّد الحبيب التجاني في صالح سيّدي محمّد العيد الذي أنهى الخصام. ويلاحظ المرء بأنّ خلافة سيّدي الحاج علي على رأس الطريقة التجانية لمدة 30 عاما لم تتسم بمنافسة ذات جديّة من قبل بعض المدعين. ولكن الأمر اختلف بعد وفاته وتقلد سيّدي محمّد العيد منصب الخلافة. فكان عليه مراعاة مقامات من هو أكبر منه من رجال الطريقة وعلى رأسهم الشيخ سيّدي محمّد الحبيب التجاني الذي يرجع له الفضل في تزكيته في مجلس عظيم حضره أعيان الطريقة من ناحية وادي ريغ ووادي سوف وتمت فيه مبايعته الكبرى وفقا لرغبة أبيه الذي صلى خلفه سنتين. وصارت الإدارة الرّوحية للطريقة التجانية ذات رأسين في الجزائر. لكن قادة الدارين، أحفاد مؤسس الطريقة التجانية بعين ماضي وأحفاد خليفته بتماسين، وفقوا من الله ولي التوفيق إلى تعامل سليم بينهم يرضي الطرفين في صالح الطريقة ابتغاء مرضاة الله ورسوله والشيخ الذي أسس الطريقة على تقوى الله. ورغم دسائس أهل الفتن المتعاقبين، تمسك الطرفين بعلاقة طيبة عززتها صلة الرّحم بعد تخليط الدم من الدارين، واستمرت على مستوى يحسدان عليه من الاحترام المتبادل والتعاون على البرّ والتقوى والتكامل في المهام وفقا لمبادئ الطريقة الداعية إلى إصلاح ذات البين والتواضع لله. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. ولمّا وافت المنية سيّدي محمّد الحبيب التجاني على عمر 52 سنة، لم يعتمد وصيا سوى سيّدي محمّد العيد التماسيني الذي كان يحبّه كإبنه وكان الوحيد الذي يأذن له بدخول بيت عياله ويسمح له بمقابلتهم. وخير دليل على  ذلك ما تزوّجت قط بنت من بنات سيّدي محمّد الحبيب وعددهم خمسة عشر إلا بأبناء وأحفاد سيّدي الحاج علي، ابتداء من سنة 1857.

      وتزامنت وفاة سيّدي محمّد الحبيب التجاني مع تعقد الوضعية السياسية في المنطقة باحتلال مدينة الأغواط يوم 04 ديسمبر 1852 من قبل القوات الفرنسية التي من شأنها أن تحول بين زاوية تماسين في دائرة تقرت وزاوية عين ماضي في دائرة الأغواط. فكان على سيّدي محمّد العيد أن يحسب لهذا الأمر الواقع الجديد ألف حساب، علما بأن سيّدي محمّد الحبيب ترك أولادا ذكورا لم يتجاوز أكبرهم السنتين من عمره. وعينت السلطات الفرنسية المدعو ريّان بن المشري قائدا على عين ماضي والقرى المجاورة لها واعترفت له بالوصاية على دار الشيخ سيّدي محمّد الحبيب التجاني. واغتنم المدعو ريان بن المشري الوضعية وحاول ترأس الطريقة التجانية. ولتحقيق غرضه كان عليه التخلص من سيّدي محمّد العيد وإطفاء زاوية تماسين. ولما كان أميا، استعان ببعض المدعين مثله وكتبوا رسالة مزوّرة باسم سيّدي محمّد الحبيب التجاني مفادها أنه بعد وفاة سيّدي الحاج علي لم يبقى خليفة ذي شرعية في  تماسين. ونص هذه الرسالة المزوّرة طبع في كتاب " كشف الحجاب " للعلامة أحمد سكيرج الذي انخدع بها. ويفندها نص الرسالة التي كتبها سيّدي محمّد الحبيب إلى الأعيان يزكي فيها تعيين سيّدي محمّد العيد خليفة لأبيه ونائبا عنه وأن من وصله وأطاعه كأنما أطاعه هو سيّدي محمّد الحبيب. وحق الحقّ بعد جهد بإبطال الأباطيل.

      ولم ينتهي سيّدي محمّد العيد من معالجة هذه القضية حتى نشبت صراعات على السلطة داخل إمارة تقرت بين السلطان عبد الرّحمن بن عامر وأخيه سلمان من ناحية وما بين سلطنة تقرت وسلطنة تماسين ودارت بينهما رحى الحرب سنة 1851. وما زاد للأمور تعقيدا ظهور المدعو الشريف محمّد بن عبد الله سنة 1850 بورقله الذي عينه أهل ورقله سلطانا عليهم بعدما وعدهم بإخراج القوات الفرنسية من الصحراء. وتدخل بطبيعة الأمر في شؤون تقرت بحيث سلطانها عبد الرّحمن بن عامر كان مظهرا تأييده المطلق والصريح لفرنسا منذ احتلت قسنطينة سنة 1837 وبسكرة سنة 1844 وكانت بين الطرفين تبادل الزيارات في بسكرة وتقرت[1]. وبعد وفاة السلطان عبد الرّحمن بن عامر في مطلع سنة 1852، وتنصيب ابنه عبد القادر(وهو طفل صغير) يحكم تحت وصاية جدّته لالة عيشوش، تدخل أخو الفقيد، الشيخ سلمان بالتعاون مع رجال الشريف بن عبد الله، قتل عبد القادر ونصب سلمان سلطانا على تقرت. ثمّ ذهب الشريف بن عبد الله إلى الأغواط، واغتنمت السلطات الفرنسية التي كانت تخطط للإستيلاء عليها منذ أمد بعيد، تواجد الشريف بن عبد الله هناك، وهو الذي كان ذات يوم حليفا لها وعينته خليفة على تلمسان بين 1844 و 1847.  وكان التدمير الشامل للأغواط وأهاليها الذين فقدوا 1100 قتيل حسب الكلونيل بان و2200 قتيل حسب الكاتب إميل درمنقام في كتابه " الصحراء بلاد هبيل…" الذي كتب مئة سنة بعد الأحداث. ونجى الشريف محمّد بن عبد الله بأعجوبة من المجزرة وعاد إلى ناحية ورقله. وأصبحت منطقة وادي ريغ تعيش الفوضى العارمة المتسمة بالغزو والنهب والقتل والكل يحسب ويعيد حساباته في انتظار نزوح قوات الاحتلال الفرنسية التي عزمت على احتلال وادي ريغ.  وكانت الخيارات أمام الشيخ سيّدي محمّد العيد قليلة جدا. فإما أن يهاجر البلاد مثل ما فعل الكثير بالتوجه نحو تونس أو الشرق. لكنه كان يحمل على عاتقه مسؤولية دار سيّدي الحاج علي ودار شيخه سيّدي أحمد التجاني بعد وفاة سيّدي محمّد الحبيب التجاني والتي كانت تحت الإدارة المباشرة لفرنسا بواسطة القائد ريّان. هذه الظروف التي قدمت فيها فرنسا للاحتلال تقرت يوم 05 ديسمبر 1854. وقد أرسل سيّدي العيد خبر احتلال تقرت من الروامة إلى إخوانه الثلاثة (سيّدي احميده وسيدي لخضر وسيدي معمر) العائدين من بيت الله الحرام عن طريق تونس، مصحوبين بوفد يقارب المئتي حاج من أهالي سوف ووادي ريغ. فكان على سيّدي محمّد العيد إلا أن يتخذ موقف المحايد على ضرار أغلب أعيان المنطقة الصحراوية خاصة بعدما بلغتهم أنباء واقعة الأغواط وما انجر عن مقاومتها الغير المتكافئة مع وسائل الدمار التي في حوزة جيش الاحتلال وعزيمة المستعمر على محي كل روح مقاومة عند سكان القرى الصحراوية. ويعلم هؤلاء جيّدا أنه لن يكن في وسعهم اللذوذ بالفرار في فيافي الصحراء مثل ما يلجأ إليه الكثير من القبائل الصحراوية الرحالة. فما بقي سوى الصبر على البلاء حتى تتأتى ظروف ملائمة تسمح بتنظيم المقاومة وإعداد العدة لها مع تحيق اتحاد كل القوى لا بالإنفراد والعزلة. وقد أثبتت الأحداث صواب هذه النظرة التحليلية. ولنذكر على سبيل المثال تجربة الشيخ سيّدي أحمد عمّار التجاني (1852/1897) نجل الشيخ سيّدي محمّد الحبيب التجاني والذي ساند ثورة أولاد سيّدي الشيخ بعد أن تحالف معهم سنة 1868. فلم يلبث أن ألقت عليه القبض السلطة الاستعمارية في شهر فيفري 1869[2] وزجّ به في سجن سركاجي بالجزائر قبل أن يتمّ اعتقاله خارج الوطن لمدّة سنة (1870)، بمدينة بوردو الفرنسية. وقد ألقت السلطات العسكرية الفرنسية القبض على كثير من مقدمي الطريقة التجانية بالغرب الجزائري لانتمائهم للحركات التمردية، وحجزت مكتبتهم وحوّلتها إلى مركز الأرشيف بإكس ان بروفانس بفرنسا[3]. وعلى كلّ، لم تمرّ 64 سنة على احتلال وادي ريغ حتى نمت الرّوح الوطنية إثر الحرب العالمية الأولى التي دفع فيه الجزائريون حياة 22.000 من أبناء جنسهم لتحرير فرنسا. وتبنى حفيد سيّدي محمّد العيد، الشيخ سيّدي العيد الثاني (1818/1927) الأفكار التحرّرية وبثها هو وأعيان الزاوية التجانية في الأوساط التجانية حتى أحرجت السلطات الفرنسية من ذلك وشددت مراقبة هذا الشيخ الذي توفي في عزّ العمر وترك الوصية إلى خليفته الذي صار من السبّاقين لرفع راية التحرير الوطني، الشيخ سيّدي أحمد التجاني.


[1] أنظر محاضرة الدكتور بن عمية عبد المجيد _ جامعة وهران في مداخلته "مواقف شيوخ بني جلاب في تقرت من الاحتلال الفرنسي 1830/1854، بمناسبة اليومي الدراسيين 23 & 24 ابريل 1998 بتقرت تحت تنظيم الجمعية التاريخية (الوفاء للشهداء) ولاية ورقله

وانظر كتاب الكلونيل الفرنسي بان بعنوان : Les lettres familières sur l’Algérie _ 1893

  [2]إثر المعركة الحاسمة التي وقعت في جانفي 1869 بإمّ الدبداب على 7 كم من عين ماضي والتي قادها من الجانب الفرنسي الكولونيل دي صوني ، و قادها السيد لعلى والسيد قدور بن حمزة من جانب أولاد سيّدي الشيخ.

[3] أنظر ص_44 من كتاب "التجانية، طريقة مسلمة تغزو إفريقيا" للؤلفين جان لوي تريو & دفيد روبنسون


الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني

الخليفة السابع (1927/1978)

ولد الشيخ سيّدي أحمد بن محمّد التماسيني التجاني سنة 1898 وحفظ القرآن في الرابع عشر من عمره وتعلم اللغة الفرنسية في هذا العمر حرصا من أبيه موافقة الحديث النبوي الخاص باب العلم. ودرس علوم الدين والشريعة واللغة العربية بمدرسة الزاوية التجانية بتماسين على يد الشيخ محمّد بن البرية القماري وكذلك على يد الشيخ اللقاني الطيباتي من مشاهير علماء جامع الزيتونة. وشجع نشر العلم في أوساط الشعب وبعث وفودا من أبناء الزاوية يدرسون بجامع الزيتونة بتونس والمعاهد الفرعية منه بتوزر. وفي هذا السياق تمكن من فتح مدرسة حكومية للتعليم باللغة الفرنسية بتملاحت سنة 1937 ولم يأبى أن يدخل إحدى بناته لحث المجتمع الإسلامي على تعليم أولادهم ذكورا وإناثا وإن كانت بلغة أجنبية لقول الرّسول صلى الله عليه وسلّم أطلبوا العلم ولو في الصين. علما بأن العلم هو الوحيد الكفيل بإنارة العقول من أجل الترقي في جميع مجالات الحضارة، ومطالبة المستعمر بحق السيادة الوطنية في حينه. فساهم في فتح المدارس مباشرة أو عن طريق الجمعيات الخيرية التي أنشأتها جمعية العلماء الجزائريين. ورفض كليا الدخول في الجدل الكلامي مع مناهضي الحركة الصوفية مفضلا العمل الصالح النافع للبلاد والعباد. وكان يعرف ببعد النظر في الأمور الهامة المصيرية، ويفضل العمل المتقن والمستدرج بحكمة. وهكذا ساهم مساهمة صادقة، عسى أن يشهد له بها التاريخ، في التعبئة الشعبية لروح المقاومة وخوض الحرب التحريرية من قبضة  الاستعمار. وكانت له ملاقاة متعددة مع مسئولين الثورة التحريرية بالولاية السادسة ومن ضمنهم العقيد سي الحواس. وسخّر كل الطاقات المادية والبشرية[1] للزاوية التجانية في سبيل استقلال الجزائر بدون فتور إلى بلوغ المرام يوم 05 جويليه 1962. وكان عمله منسقا مع الشيخ سيّدي بن عمر التجاني (1900/1968) بعين ماضي. وهو من أحفاد مؤسس الطريقة التجانية، وألقت عليه القبض السلطات الاستعمارية في شهر فيفري 1957 ومكث ستة اشهر بسجن بولقازال (عين وساره). وتفاديا للاحتجاجات في الدول الإفريقية ذات أغلبية تجانية، أفرجت عليه السلطات الفرنسيه يوم الأحد 27 جويليه 1957 وأودعته تحت الإقامة الجبرية إلى غاية تاريخ توقيف القتال.


 

[1] كوّن الشيخ سيّدي أحمد التجاني طاقما من  أبناء الزاوية ومن مقدمين لخدمة مصالح الثورة التحريرية ومن ضمنهم ابنه سيّدي محمّد الطيب الذي زج به في السجن لمدة ستة أشهر في مدينة فران بفرنسا بعد إلقاء القبض عليه في مدينة قسنطينة.

 


الشيخ سيدي البشير الخليفة الثامن للإمام التماسيني (1978/2000)

ولد الشيخ سيّدي البشير سنة 1918 بتماسين. وتوفى والده الشيخ سيّدي العيد وهو في التاسعة من عمره. وكفله الشيخ سيّدي أحمد التجاني. وحفظ القرآن الكريم في صغر سنه على يد العارف بالله سيّدي الطاهر بسا القماري. وتعلم الفقه والعلوم الدينية واللغة العربية والحساب بمدرسة الزاوية التجانية على أيدي الأساتذة المعلمين: الشيخ محمّد بن جديدي الوادي، والشيخ محمّد الطاهر بن عماره، والشيخ عبد الله اليحياوي التبسي سنة 1928 والشيخ عثمان النفطي لمدة سنة والشيخ الصادق التجاني.

      وكان وطنيا خالصا وقد عمل في نطاق الطاقم البشري الذي أسسه الشيخ سيّدي أحمد التجاني، والمكلف بالعلاقات مع رجال الثورة التحريرية من جنود ومناضلين، الوافدين على الزاوية التجانية بتماسين والتي كانت بمثابة ملجأ آمنا مدّة الحرب التحريرية.

      وعيّن خليفة إثر وفاة الشيخ سيّدي أحمد التجاني في 27 جانفي 1978. وقام مدّة خلافته بتجديد زوايا تماسين وبسكره وبترميم زاوية قمار. وحين ابتليت الجزائر بالاضطرابات الدموية في العشرية السوداء، كان يبذل كافة جهوده من أجل تفادي المزيد من البلاء وكان يحث على السلم والوحدة الوطنية للأمة الجزائرية وإصلاح ذات البين. وبفضل موقفه الثابت، شجع اللجوء إلى الحكمة بروح التواضع والتسامح داخل منطقة نفوذ الطريقة التجانية. وعمل في هذا الاتجاه بالتنسيق الوثيق مع الخليفة العام للطريقة التجانية، الشيخ سيّدي علي (1911/1990) ثمّ مع الخليفة العام الحالي الشيخ سيّدي عبد الجبار.

 


الشيخ سيدي العيد الخليفة التاسع للإمام التماسيني منذ بداية (2000)

ولد الشيخ الحالي سيّدي العيد بتماسين، يوم 07 ماي 1954. وسهر والده الشيخ سيّدي البشير على تعليمه العلوم العصرية موازاة مع تعلم القرآن ومبادئ العلوم الدينية بالزاوية. فأنهى دراسة التعليم الابتدائي بتملاحت ثمّ التعليم الثانوي بتقرت حيث حصل على شهادة الباكلوريا رياضيات سنة 1974. وحصل سنة 1996 على دكتورا الدولة في فيزيا المواد الصلبة من جامعة باريس 11 (مركز أرساي). وتقلد مناصب سامية في التعليم والتأطير بجامعة قسنطينه بين 1978 وسنة 1999. وإثر وفاة والده يوم 07 جانفي 2000، عيّن خليفة مكانه. واختار منهجية المداومة على العهد مع مراعاة مقتضيات العصر بحيث يقال أن  الصوفي ابن وقته. وتكمن الصعوبة في تغيير الأذهان، خطوة حتمية لرفع التحديات العديدة التي تقع على كاهل الأمة. وهذا يتطلب بذل جهود عظيمة وعزيمة راسخة لمن أراد تحقيق مراده. عمليا، قام الشيخ سيّدي العيد في ضرف بضع سنوات، من إنجاز فضاءا ثقافيا (مكتبة ثرية بآلاف العناوين من الكتب وخمسة عشر جهاز حاسوب مرتبطين بشبكة الانترنت). ولقد تفضل فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بتدشين هذا المركز الثقافي المتواضع يوم 20 مارس 2001. ويستفيد منه اليوم الشباب الذي يدرس بالثانويات المحلية والطلاب الجامعيين وكذا الأساتذة. ونفس المشروع هو في طريق الإنجاز بزاوية قمار العتيقة من حيث هي أوّل زاوية تأسست في تاريخ الطريقة التجانية.

 


آفــاق مستقبليـة

وفي الخلاصة يمكننا القول بأنّ الطريقة التجانية ماضية قدما تسجّل توسّعا متواصلا لا رجعة فيه. وذلك بالرغم من كون عنوان أعنف جدال من قبل الحركات المناهضة لها. وهذا دليل على صحّة وجهتها وصدق مؤسسها وحياوية رجالها في مقاومة شانئيها. وما يزيدها التهجم عليها، سوى صيانة إضافية لتصحيح مناهجها والحرص على التمسك بالشرع، المرجع الوحيد لمن تعلق بها. وميدانيا، نجدها تتقصى خطوات الاسلام في انتشاره عبر العالم الانساني. ولا تقفها حواجز الخصوصيات الثقافية والحضرية، حيث بإمكانها جمع المسلمين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية واصنافهم العلمية والفكرية، (أميّين وجامعيين، فقراء وأثرياء، صغارا وكبارا) في حلقات الذكر للوظيفة اليومية[1] التي يؤديها التجانيون عبر العالم. هي تؤدى جماعيا خلافا للركن الأوّل المسمى الورد المعلوم الذي يؤدى فرديا. أما ثالث أركانها فهو الهيللة الجماعية بعد عصر يوم الجمعة.

            وقد حققّ مؤخّرا السيد جاك بونو الفرنسي مذكرة بجامعة باريس_3 موضوعها دراسة أفكار الشيخ سيّدي أحمد التجاني مؤسس الطريقة التجانية، من خلال دراسة كتاب جواهر المعاني وبلوغ الآماني لسيدي علي حرازم. وأبدى هذا البحث أمنيته في ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية لإتاحة المجال أمام الباحثين الفرنسيين والأروبيين في دراسة هذه الطريقة مباشرة وبصفة أكمل لاستخراج الأفكار التجانية الغير مطلع عليها في العالم الجامعي. ويظهر هذا البحث إعجابه لمؤسس الطريقة التجانية من عدّة جوانب ومن ضمنها شجاعته في إعادة القراءة لبعض المفاهيم للإسلام وإملائها والأمر بتدوينها بالرغم من إثارتها الطعون الكثيرة. ويضيف إعجابه لأتباعه الذين دوّنوا تعاليمه ونشروها ودافعوا عليها بكل ثباة وسكينة. ومن ناحية أخرى نسجل نداء الأستاذ جان لوي ترييو، من جامعة إكس أن بروفنس، المنطوي في كتابه " التجانية، طريقة مسلمة تغزو إفريقيا " الذي ألفه بمعية السيد دفيد روبنسون الأستاذ بجامعة الإلينوا بالولايات المتحدة الأمريكية. ومن خلال هذا النداء يطالب المؤلف من جميع الباحثين الجامعيين في مختلف المجالات بتسليط الأضواء على الطريقة التجانية للمزيد من معرفة حقيقتها: " عادية وخارقة للعادة في نفس الوقت " حسب تعبيره. فإن مثل هذا الاهتمام من قبل غربيين غير مسلمين، ليزيدنا شرفا ويقدم لنا منهجية أكديمية ثمينة بالنسبة لسعينا الخاص في البحث من أجل التعرّف أكثر على الطريقة التجانية.

       وإنّ المشاركة لممثلي الطريقة التجانية في إحياء الذكرى الخمسينيّة لثورة أوّل نوفمبر 54 التحريرية المباركة، لشرف عزيز للتجانية قاطبة. وبهذه المناسبة التاريخية المجيدة، والتي توحّدت من خلالها صفوف الشعب الجزائري وقادته قدما نحو استرجاع سيادته الوطنية، والتي طمست حين من الدهر، نشكر الله على هذه النعمة الكريمة، ونقدم شكرنا الجزيل إلى القيادة الوطنية للأمة الجزائرية، وعلى رأسها فخامة رئيس الجمهورية، السيّد عبد العزيز بوتفليقه، الذي شرّف الزوايا التجانية أكثر من مرّة بزياراته الميمونة التاريخية إلى كلّ من عين ماضي وتماسين وقمار. وبارك الله هذه الخطوات المباركة الفاضلة، المندرجة في خطته الحكيمة والرّشيدة، الرّامية إلى بناء صرح المصالحة الوطنية التي يطمح لها الشعب الجزائري المسلم الأبي. ويمكن تحقيق هذه الغاية السامية، بالإرادة الجمعية الصادقة والتوكل على الرؤوف الرحيم، وليس ذلك على الله بعزيز. قال الله تعالى: " أدعوني، أستجب لكم." فلندعو كما أمرنا.

      وعلى ضرار كل الشعوب المتطلعة إلى السلم، فإن الشعب الجزائري يرجو الترقية الحضرية في ظل السلم وبودّه أن يضيف مساهمته المتواضعة في تقارب الشعوب وبني الإنسان الذين فرض عليهم أمر التعارف والتحاور بالتي هي أحسن ونهوا شرعيا أن يعتدى بعضهم على بعض بالحديد وإرهاق الدماء. وإن الله عزّت حكمته خلق إنسانا واحدا وأنطقة لغة يتخاطب بها مع زوجه ونسله ثمّ عددّ نسله وفرّق مساكنهم وألسنتهم وألوانهم وعقائدهم حتى صارت شعوبا وقبائل مختلفة الثقافات والحضارات والديانات. لكن أبقى القلوب متشابهة الشكل ولها نفس اللون، تضخّ الدم بلون أحمر في جميع الأجسام مهما كان لونها. ألم يقل تعالى في كتابه العزيز في سورة هود: " ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلاّ من رّحم ربّك ولذلك خلقهم …"(119). وهذه مشيئة الله في خلقه. فقد حرّم الظلم على نفسه قبل أن يحرّمه على عباده. ومن أراد أن يزيح الاختلافات بين خلق الله فقد ظل وغوى. شاء الله أن تتعايش جميع أنواع الكائنات ولن تجد لسنة الله تحويلا ولا تبديلا. ولنقف عند قوله تعالى في سورة الحجرات: " يأيّها الناس إنّا خلقناكم مّن ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إنّ الله عليم خبير (13)".


[1] الوطيفة هي الركن الثاني للطريقة التجانية ومحتواها مجموعة من الأذكار تقرأ مرّة في اليوم: 30 مرة (استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم) + 50 مرّة (اللهمّ صل على سيّدنا محمّد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله، حقّ قدره ومقداره العظيم.) + 100 مرّة (لا إله إلا الله) + 12 مرّة صلاة جوهرة الكمال

 

 


المـــراجع

 

  • القرآن الكريم

  •  صحيح البخاري (الأحديث)

  •  السيرة النبوية لابن هشام

  •  كتاب جواهر المعاني لسيدي علي حرازم براده

  •   كتاب الرماح للشيخ الحاج عمرالفوتي

  •  كتاب روض المحبّ الفاني لسيدي محمّد بن المشري

  •   كتاب كشف الحجاب للعلامة سيّدي أحمد سكيرج

  •  كتاب غرائب البراهين لسيدي محمود بن محمّد بن المطماطيه

  •  كتاب بغية المستفيد لسيدي العربي بن السائح

  •  رسالة سيّدي محمّد الحبيب التجاني في تزكية سيّدي محمّد  العيد خليفة لأبيه سيّدي الحاج علي سنة 1844

  •  رسالة سيّدي محمّد العيد إلى ريان بن المشري سنة 1871

  •  كتاب ردّ أكذيب المفترين على أهل اليقين للعلامة سيّدي محمّد الحافظ المصري

  •   مذكرة العرف الريحاني في ترجمة سيّدي الحاج علي التماسيني لسيدي الصادق التجاني

 Les lettres familières sur l’Algérie par le colonnel Pein 1893

   La civilisation arabe de Jacques C. Risler 1949

  La civilisation arabe de Jacques C. Risler 1949

L’Islam moderne de Jacques C. Risler 1965

L’Islam , col que sais je ? de Dominique Sourdel, 1965

Grands tournants de l’histoire de l’Islam par Amar Dhina ,SNED, Alger_1982

كتاب تحفة الزائر للباشا سيّدي محمّد نجل الأمير عبد القادر طبعة 1903 بالاسكندرية، مصر

L’Algérie par P. Bernard & A. Jourdan , AlgerJules     Carbonel, 1926

L’Algérie, Passé et Présent par Yves Lacoste, A. Nouschi et A. Prenant,  1960

Le Sahara, le pays d’Abel par Emile Demenghem, 1954

La Tijaniyya, une confrérie musulmane à la conquête de l’Afrique par J.L. Triaud  &D.   Robinson , Paris , Karthala, 2000

الرؤية، عدد 96 نشرية دورية تعني الثقافة والمعرفة التاريخية، تصدر عن

 المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أوّل نوفمبر

 1954

من إعداد السيد: محمد النذير التجاني

 
 
 
 
موقع ومنتديات المريد
atijania ©
خدمة RSS جديد البرامج جديد المواقع أعضاء جدد Copyright ©
 خلاصة الأخبار   خلاصة المنتديات
1:  HTML2AnyCode 
2:  ChangeFolderColor 
3:  Talk Sender 
4:  A Smaller Image 
5:  Adobe Illustrator 
1:  دليل المقاطعة الإسلامي 
2:  صداالجنوب 
3:  السمندل 
4:  لينكس هوست 
5:  منتديات وجــد 
1: VBSShawnee
2: GaryUmo754
3: RudolfSoar
4: MikaylaT22
5: Margarita1

  Design by الصديق التماسيني